
صدر كتاب ظلال الحياة في عام 2025، للكاتب السيد حمود بن احمد بن علي البوسعيدي ـ من دار ومكتبة الرؤى الفكرية ـ ويُعد من أبرز الأعمال الأدبية التوثيقية التي تمزج بين السيرة الذاتية والرؤية الاجتماعية والوطنية. بأسلوب سردي بسيط، وصادق، وشفاف، يصحبنا الكاتب في رحلة عبر محطات حياته، وحياة أسرته، وملامح قريته وبيئته المحيطة، ملتقطًا تفاصيل اللحظة، وشهود الزمان، بلغة تقترب من القلب.
يتكوّن الكتاب من ستة فصول، تبدأ بسيرة الأسرة والطفولة، وتمرّ بالتعليم، والعادات والتقاليد، ومشاهد الحياة اليومية، ثم تصل إلى تجربة التجارة والعمل، وصناعة المستقبل الاجتماعي والمهني. وقد زُوّد الكتاب بمجموعة من الصور التوثيقية التي تنقل القارئ بصريًا إلى قلب الذكريات والأماكن، معززة المحتوى السردي.
المضمون الفني للسرد
وفي انتقالٍ شاعري، يأخذنا الكاتب إلى بلدة “الأخضر” – سمد الشأن، لا كمكانٍ جغرافي فحسب، بل كوطنٍ أول، وكأنثى جميلة مخملية الإحساس، يتغزّل بها بلغة العاشق ووفاء المنتمي. يصفها كواحةٍ غنّاء، تتعالى برأسها اعتزازًا بتاريخها، وتحيط بها الجبال الشامخة كجنودٍ أوفياء يحرسونها بصمت.
سمد الشأن – كما يراها الكاتب – ليست مجرّد بلدة، بل أرضٌ صاغت وعيه وذائقته، وشكّلت صلته الأولى بالهوية والمكان. طبيعتها، وتاريخها، ودفء أهلها، كانت حاضرة في بناء فكره ومزاجه وسرده. هي الأرض التي شهدت تشكّل أول المفاهيم، والتقاط أول المشاعر، وصقل أول الأحلام. هذه البلدة التي احتضنته في طفولته، ظلّت رافدًا روحيًا ومعنويًا له في مراحل لاحقة من الحياة، تُلهمه في الكتابة، وتمنحه المعنى حين تتداخل الذكريات بالواقع.
ثم ينتقل الكاتب إلى وصف بلدة “الأخضر”، ويتوسّع في حديثه عن أهمية المكان والإنسان، والقرى المحيطة بهذه البلدة الوادعة. ويتوقّف عند “قلعة الأخضر” التي تحمل بُعدًا تاريخيًا راسخًا، حيث شُيّدت على يد السيد عبدالله بن محمد البوسعيدي، المعروف ” بالوالي الأكبر”، بطلب من الإمام أحمد بن سعيد حين كان واليًا على سمد الشأن.
ويشير الكاتب إلى ما حلّ بالقلعة من تأثرٍ بفعل عوامل التعرية والزمن، لكنه يرسم لها صورة حية من خلال وصف دقيق لتفاصيلها، من الغرف الصغيرة إلى المخازن، وارتباط طوابقها عبر الدور الثاني، واتصالها الجغرافي بحائط منزل العائلة الطيني المعروف بالبيت العود”. هذا البيت – كما يذكر – لم يكن مجرّد مأوى، بل مساحة ممتدة من الحياة، يضم ثلاثين غرفة، ويمرّ من خلاله “فلج الأخضر”، وكأنّ الماء نفسه كان شاهدًا على تفاصيل الطفولة والذاكرة.
ويكمل الكاتب سيرة المكان، ليصل إلى عهد النهضة المباركة بقيادة السلطان قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – حيث شهدت قلعة الأخضر أعمال ترميم وصيانة، حفاظًا على هذا المعلم التاريخي، بعد أن انهار جزؤها العلوي بفعل الزمن. ويُبرز الكاتب هذا الاهتمام الرسمي بالتراث، بوصفه امتدادًا لعلاقة الإنسان العُماني العميقة بأرضه وتاريخه، وحرص الدولة على صون الذاكرة المكانية والثقافية للأجيال القادمة.
ويسعى الكاتب، في سرده، إلى توثيق أدق التفاصيل الجميلة في بيئة قريته، مسلّطًا الضوء على مشاهد الحياة اليومية، وعلى جهد كبار السن في الزراعة والحِرف اليدوية والتقليدية، التي ما زال بعضها قائمًا إلى اليوم. يكتب بعينٍ مفعمة بالحنين، وكأن ذاكرته تمسك بأطراف المشهد لتمنعه من الزوال. فالقرية لم تكن مجرّد مكان، بل بصمة تركت أثرها العميق في روحه، حتى غدت كأنها “لغة مسكونة” شجية، تتردّد بين خلجان ذاته، وتشكل وجدانه وسكينته.
ثم ينقلنا الكاتب إلى مسيرة التعليم الأولى، حيث تبدأ الرحلة من النقطة الأبجدية الأولى، من “أ ب ت” نحو الهجاء القديم: “أبجد، هوز، حطّي، كلمن…”، في مشهد تستيقظ فيه الذاكرة من سباتها، وتسترجع تفاصيل تلك البدايات البسيطة والعميقة. يصف تنوّع طرق التعليم في ذلك الزمان، ويستحضر أسماء المعلّمين الذين تركوا بصماتهم على وجدانه، بدءًا من تعليم القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة، وصولًا إلى حكايا الكتّاب، في زمنٍ كانت فيه المعرفة تُلقَّن بمحبة ووقار، وتُزرع في النفوس كما تُزرع البذور في الأرض العطشى.
يرسم الكاتب هنا صورة ذهنية دافئة عن بدايات التعلّم، حيث كانت الكتابة تُمارَس بأدوات بسيطة، لكنها عظيمة في معناها. يتحدث عن أيامٍ كانوا يتعلمون فيها على أكتاف الإبل، وعن استخدام جذوع شجر الغاف لوضع الكتابات، وعن الفحم الذي كان يُستخدم لصناعة الأقلام، وكأن الطبيعة بأكملها كانت تفتح ذراعيها لتمنحهم سبل المعرفة. كانوا يمسحون ما كتبوه ليعيدوا الكتابة من جديد، في مشهد يعكس صبرهم وولعهم بالتعلّم. ومن بين تلك التفاصيل البسيطة، خرجت بذرة التعليم، لتُثمر قدرةً وعلماً، وتُشكّل ملامح جيلٍ آمن بأن القلم يمكن أن يكون أعظم من السيف.
ثم ينتقل الكاتب إلى تفاصيل الحياة اليومية في قريته، حيث يصف أشجار المانجو الوارفة التي تظلّل البلدة بعذوبتها وظلالها. يعمل أهل القرية معًا في مزارعهم، في تناغمٍ يكاد يُشبه الإيقاع الطبيعي للزمن. هناك في “البيدار”، حيث تتشابك الأيدي في تعاونٍ مثمر، تتدفّق روح الجماعة في كل حركة. يولي أهل القرية اهتمامًا خاصًا بحيوانات ضيوفهم من الإبل والحمير، وكأنهم يقدّمون لها دعوة غير معلنة للراحة والضيافة. في وسط هذه الحياة البسيطة، يتجمّع الناس حول المجالس، حيث يتبادل كبار السن الأحاديث والنصائح، وتنصهر الأيام في مشهدٍ مفعم بالألفة. القهوة – التي لا غنى عنها – تأخذ مكانها في طقوس الحياة اليومية، وتُعدّ جزءًا لا يتجزأ من آداب الضيافة. هنا، يترسّخ مفهوم الحياة البسيطة، حيث تكون الحكايات والمناقشات جسرًا يصل بين الأجيال، ويظلّ الكرم والتعاون أسسًا ثابتة تقوم عليها الحياة في القرية
ثم يمضي الكاتب في سيرة الإنسان والمكان، ليُحلّق بنا في أفق الحياة البسيطة التي كانت تسكن القرية وتُنعش الأرواح. يرسم مشهدًا للمتنفس الإنساني عبر ألعاب شعبية نشأت من أشياء بسيطة، من منتجات الطبيعة وخيال الطفولة، حيث كان الفرح يُصنع باليد، ويُغنّى بالضحكات.
ينتقل بعدها إلى العادات والتقاليد، وخصوصًا في شهر رمضان، ذلك الشهر الذي يتخذ في الذاكرة طيفًا روحيًا مختلفًا، مشبعًا بالألفة والسكينة. يمنح الكاتب الحلوى العمانية مكانة خاصة في هذا الفصل من الذكريات؛ تلك الحلوى التي كانت تُنتظر كما يُنتظر الحلم في ليالٍ طويلة، تُنعش النفس وتبعث في القلب بهجة عميقة. يقول في وصفه: “لذا كنا لا نُخطئ في حساب ذلك اليوم، انتظارًا للحلوى والفرحة بها.” لم تكن الحلوى سلعةً متوفرة في كل حين، بل كانت لحظةً منتظرة، طقسًا من طقوس الفرح، وذكرى لا يغيب طعمها عن الذاكرة.
ثم ينتقل الكاتب بنا إلى تجربة التجارة، تلك الرحلة التي لم تكن مجرد بيع وشراء، بل فصلٌ آخر من فصول النضج والحلم. يسرد كيف كان شقيقه سالم من أوائل التجار في البلدة، رجلًا شقّ دربه بثبات، وجعل من السوق طريقًا نحو المستقبل. يصف تفاصيل جلب البضائع من سوق مطرح، ذلك السوق الذي كان يعجّ بالحياة والحركة، وكأنه قلب المدينة النابض.
ويضيء على اسم لافت في الذاكرة: سلمى بنت فرج، تلك المرأة التي كانت تدير نُزُلًا في ذلك الزمن، تمسك بخيوط المكان بثقة، وتمنح العابرين دفء المأوى وكرم الضيافة. تمنيتُ – كما عبّر الكاتب ضمنيًّا – لو توسّع أكثر في الحديث عنها، فهي لا تمثّل مجرد اسم في صفحة، بل وجهًا من وجوه الريادة النسائية في ذلك الوقت، وعلامة من علامات الوعي الاجتماعي والاقتصادي. إن توثيق هذه اللمحات، من وجهة نظر الكاتب، ليس مجرد سرد، بل هو حفظ لذاكرة المكان، واعتراف بدور من مرّوا فيه وأسهموا في بنائه وتنميته، وتركوا أثرًا لا يُمحى في وعي الناس وإدراكهم وتاريخهم.
يتابع الكاتب بنية السيرة الذاتية الممتزجة بالحسّ الحكائي، ليكشف لنا عن منعطف جديد في حياته، تتداخل فيه تحولات الذات مع تغيرات الجغرافيا والواقع الاجتماعي.
ينقلنا الكاتب إلى مرحلة مفصلية من حياته، حيث تبدأ ملامح الحلم بالتكوّن، وتتشكل الملامح الأولى لطريقه الطويل. يروي كيف بدأت رحلته بإصدار جواز سفر في زمنٍ لم يكن فيه الأمر هيّناً، بل يحتاج إلى لقاء مباشر، وفصاحة مقنعة. كان آنذاك فتى لم يتجاوز الرابعة عشرة، قد تزوج مبكرًا، ويكافح بلقمة اليوم التي بالكاد تكفي. لكن شيئًا ما في داخله كان يدفعه للسفر، للخروج من ضيق الحال إلى فسحة الاحتمال.
حين قابله السيد شهاب بن فيصل، أحد أعلام تلك المرحلة، لم يتوانَ الكاتب في أن يُظهر ما يملكه من جرأة وبلاغة، فكان صوته حجته، ووضوحه بوابته الأولى نحو العالم، فحصل على جواز السفر، وبه فُتحت له أبواب الرحلة.
يسرد الكاتب بعد ذلك أهوال الطريق من البر إلى البحر، كيف تنقل بين بلدة وأخرى، حتى وصل إلى الخليج، إلى جزيرة “داس” ثم إلى قطر، فركب البحر حتى استقر به الحال في البحرين. هناك، كما يذكر، كان العُمانيون يتجمعون في مكان يدعى “حوطة أوبل”، حيث يأتي من يبحث عن العمال ليجدهم هناك، ينتظرون دورهم في رزق الحياة. كان العمل مقسّمًا إلى فترتين، والجهد موزعًا بين اليدين والقلب، وكان الصبر هو الزاد الوحيد.
وبعد عامين، قرر العودة في عام 1976، عائدًا من البحرين، ليس ومعه مال وفير، بل تجربة غنية، وخبرة صنعت جزءًا من روحه. يصف لنا الرحلة من البحرين إلى مسقط، حين كان الميناء آنذاك يقع بعد بيت البرزة، وقبله قصر العلم، وكانت “الولجات” تفصل بين الموج والصوت.
في هذا الوصف الدقيق، يلتقط الكاتب التغيّرات، يرصد كيف بدّلت التنمية ملامح المكان، لكنه يحتفظ في قلبه بصورة المكان الأول… صورة لا تشيخ
في الفصل الثالث، يأخذنا الكاتب إلى محطة جديدة من رحلته الحياتية، حيث بدأ بحثه الجاد عن عمل، فكانت أولى خطواته التدريب على جهاز اللاسلكي. كان التدريب في “بيت البردة”، وهناك تعرّف على تفاصيل الجهاز ومكوّناته، وعلى زملاء الطريق، أولئك الذين نقش أسماءهم في ذاكرته كما تُنقش الأحلام في القلب، ذاكرةٌ يفيض منها الوفاء والمحبة.
يصف الكاتب مكان سكنه في مسقط خلال تلك الفترة، في “حلة الدلاليل”، حيث عاش في بيت بسيط لصاحبه، بيت تتكوّن أركانه من حجرة وخيمة وسورٍ شُيّد بالحَصَى والإسمنت. ومن هناك، تنتقل بنا ذاكرته إلى الرستاق، حيث عُيّن في مكتب الوالي بعد أن أنهى تدريبه. يروي كيف كان يحمل بطاريات الجهاز إلى مسقط لإصلاحها، ثم يعود بها في رحلة شاقة عبر العوابي ونخل، موثقًا مشهدًا جميلًا حين يقول: “كلما ذهبنا لتناول القهوة عند أحدهم، تطلق الأعيرة النارية ترحيبًا بنا.”
وفي غمرة الذكريات، يحدّثنا عن قريات، ثم يعود ليؤكد أهمية الصياغة في الرستاق، حيث كانت تُصنع أغماد السيوف بإتقان نادر. ومع تغير الزمان، يصف لحظة إعلان تولّي جلالة السلطان قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – مقاليد الحكم، ويصوّر البهجة التي عمّت البلاد بتغيير العلم وإطلاق النيران فرحًا وابتهاجًا بالمستقبل.
يستعرض الكاتب محطات مهمة في مسيرته العملية، مشيرًا إلى لحظات فارقة أثرت في حياته الشخصية والمهنية. عن حصوله على رخصة القيادة في مطرح عام 1971، وتقدمه من مرحلة إلى أخرى في مسيرته كموظف حكومي. السرد هنا، كما في الفصول السابقة، يعكس الواقعية والتوثيق التاريخي للحياة اليومية في تلك الحقبة، ويمنح القارئ لمحة عن الحياة الاجتماعية والسياسية في عمان في السبعينيات والثمانينيات حتى وفي أثناء عمله في مكتب والي مطرح، شاءت الأقدار أن يلتقي جلالة السلطان قابوس مصادفة، ثم تكررت المصادفة حين زار جلالته وزارة الداخلية والعدل. ويصف الكاتب تلك اللحظات، مشيدًا بما رآه من اهتمام السلطان بالنظام، والنظافة، والانضباط في العمل.
ثم ينتقل الكاتب إلى خصب، حيث عمل نائبًا للوالي، وهي مرحلة أضافت الكثير لتجربته. يصف بدقة مكاتب الولاة حين كانت داخل الحصون والقلاع، ويذكر اهتمامه بنقل المدافع من داخل الحصن إلى خارجه، وتنظيفها، ليمنح الحصن هيبته وجماله. كما يروي كيف واجه العديد من القضايا، رغم وجود اختلاف في الرؤية مع القاضي، إلا أنه تعامل مع التحديات بحكمة وصبر.
بعدها انتقل إلى ولاية ينقل، ثم إلى شناص نائبًا للوالي، وهناك واجه مواقف حسّاسة، تعامل معها بذكاء ورويّة. ويسلّط الكاتب الضوء على الصلاحيات الواسعة التي كانت ممنوحة للولاة في ذلك الزمان، وهي صلاحيات لم تعد موجودة اليوم. فقد كان الوالي قريبًا من الناس، شريكًا للشرطة في حل القضايا، ممثلًا للسلطة ومفسرًا لروح القانون.
هكذا، يمضي بنا الكاتب في رحلة ليست فقط في الجغرافيا، بل في الذاكرة، محمّلة بحكمة التجربة وحنين القلب للمكان والناس والمواقف التي صنعت شخصيته وشكّلت ملامح سيرته
ويأخذنا الكاتب في مسار الانتقال من ولاية إلى أخرى، حاملاً معه روحه الجسورة، وشخصيته المتّزنة التي عرفت بالسعي إلى الصلح وتطويق الخلافات قبل أن تتسع. في ولاية جعلان بني بوحسن، نستشف من خلال حكاياته مواقف عديدة عالجها بحكمة وروية، كأنما يستحضر خلاصة تجربة حياتية ثرية علّمته كيف تكون الحياد منصفًا، والقرار رحيمًا.
ومن هناك ينتقل إلى ولاية صور، المدينة العريقة، فيذكر كيف تعامل جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ مع قضية نقل سوق الأسماك من موقعه القديم إلى سوق البلدية. لم يكن القرار سهلًا، لكن الكاتب يسلّط الضوء على حكمة القائد وحنكته؛ إذ أمر جلالته وزيرَ الديوان ووزيرَ الزراعة بالنزول إلى الواقع وملاقاة الناس والنظر في الأمر عن كثب.
ومن هذا الموقف تحديدًا، يضيء الكاتب على منهج السلطان المتفرّد في الحكم: كيف كان يوازن بين احتياجات التنمية ومتطلبات الحياة الكريمة، دون أن يُقصي الإنسان العماني عن قلب القرار. كان يرى بعين الحاكم، ويسمع بقلب الأب، ويقرّر بعقل الدولة
الكاتب، في سرده العذب، يعرض لنا فصولاً مليئة بالمواقف والتحديات التي شكلت جزءًا من حياته المليئة بالتجارب. ففي ولاية صور، حيث كان العمل الميداني يتطلب جهداً جسدياً مضنياً، يتطرق إلى العديد من المواقف التي عاشها. وبرغم التعب، استطاع أن يتفاعل مع شخصيات قيادية كانت لها بصمات واضحة في فترات معينة، من بينهم “حمد الخضوري”، مدير مستشفى صور، الذي اهتم بصحته عندما فقد الوعي أثناء زيارة ميدانية له، سعياً لحل قضايا البلاد ومصالحها.
ثم، يواصل الكاتب استعراض مسيرته في ولاية وادي بني خالد، حيث وصف طريقها الوعر الذي كان مليئًا بالحجارة. كانت الولاية تقع في منطقة صعبة، حيث كان من الصعب الوصول إليها خصوصاً عندما تتساقط الأمطار، مما يجعلها معزولة بسبب تجمع الحجارة والأودية التي تقطع الطريق.
وفي نقطة عميقة وآسية، يعرض الكاتب لحظة فارقة في حياته عندما قرر وزير الداخلية في ذلك الوقت أن يكون الولاة ونواب الولاة من أصحاب الشهادات النظامية والجامعية. هذا القرار لم يمس فقط تجاربه الإنسانية، بل سلط الضوء على مرونة المجتمع في تحديد مسارات مستقبل أفراده. هنا، يُبرز الكاتب تساؤله حول مكانة الإنسان الذي أتى من أفق تجاربه الشخصية الحية، حيث استطاع بحكمته وفكره النيّر حل الكثير من القضايا بطرق مبتكرة. فهو يؤكد أن الإنسان الحقيقي هو الموروث الأسمى للمجتمع، ويعكس إيمانه العميق بأن التجربة الحية لا تُقاس بالشهادات الرسمية فقط، بل بالقيم التي يحملها في قلبه وفكره
الكاتب بعد التقاعد، وكأنّنا نشهد فيلمًا سينمائيًا يتكشف أمامنا، يعود إلى مسقط رأسه حيث تتجدد همته في خدمة المجتمع، ويظهر شغفه بتوثيق الذاكرة الشعبية عبر الشعر. يتقن فن العازي، ذلك الشعر الذي يعبر عن أعمق المشاعر ويحلّق في فضاء الفرح والحزن على حد سواء. ولعلّ أبرز ما يميز أسلوبه هو الارتباط الوثيق بالمكان والزمان، فكل قصيدة تفيض بالحنين والعاطفة تجاه وطنه وأهله. في الكتاب، نجد قصيدته الجميلة التي تنبع من قلبٍ ملؤه الإيمان والصدق، وتتجلى فيها روحه الطيبة تجاه وطنه، تلك القصيدة التي يقول فيها:
سميتك باسمك يا ولي يا رافع العرش العلي
انت مجيب السائلي تنصر جميع المسلمين
والألف أول يبتدى وبالحث ترضي ونهتدي
هذه الأبيات ليست مجرد كلمات، بل هي نبض قلب الشاعر، تعبير عن تقديره وتفانيه لوطنه، وعلاقته الوثيقة بأرضه وشعبه
من وجهة نظري الشخصية كقارئة، إن استغلال هذه القصيدة في المهرجانات الوطنية سيكون له تأثير كبير، فهي تحمل بين أبياتها روحًا وطنية عميقة وتنثر صورًا وتشبيهات مؤثرة تعكس انتماء الشاعر وولاءه لوطنه. القصيدة ليست فقط كلمات، بل هي تجسيد حقيقي للمشاعر الصادقة تجاه الوطن، وتجسد القيم والمبادئ التي ينبغي أن يُحتفى بها في مثل هذه المناسبات. يمكن للقصيدة أن تكون وسيلة للتعبير عن الفخر والانتماء، وأن تخلق صلة وجدانية بين الجمهور والمناسبة الوطنية، مما يعزز من الشعور بالوحدة والفخر الوطني.
التحليل الأدبي للنص:
البناء الفني ونوع السرد والأبعاد الإنسانية والاجتماعية “ظلال الحياة”
يعتمد المؤلف بدء من الفصل الأول على بناء فني سردي توثيقي ذي طابع وجداني، يمزج بين الذات الفردية والتاريخ الجمعي، ويعتمد على خطاب حميمي يعبّر عن الارتباط العميق بالمكان والهوية والأسرة. الفصل مكتوب بلغة رصينة، تقترب من الأدب الإنساني، وتستند إلى تقنيات السرد التقليدي الممتزج بروح التأمل والاعتراف، ما يمنحه طابع السيرة الذاتية المتقاطعة مع التوثيق العائلي والاجتماعي.
يظهر نوع الخطاب واضحًا في كونه سرديًا استرجاعيًا، يتخلله وصف دقيق للمكان والزمان والشخصيات، مما يمنح القارئ القدرة على استحضار المشهد المكاني والإنساني، والولوج إلى تفاصيل الحياة الاجتماعية والسياسية في تلك المرحلة.
أبرز الملامح السردية والوصفية من الفصل الأول إلى الفصل السادس
• الانتقال إلى سمد الشأن:
يبدأ الفصل بسردٍ هادئٍ لرحلة الانتقال إلى سمد الشأن، وهي محطة محورية في تشكّل وعي الكاتب، حيث يستحضر شخصية الجد “السيد الوكيل” خلفان بن محمد البوسعيدي، بوصفه رمزًا دينيًا وسياسيًا ووطنيًا. السرد هنا يقوم على الإيحاء الرمزي، حيث يُقدَّم الجد كشخصية مؤسسة، ليس للعائلة فقط، بل لوحدة الوطن واستقراره.
• الإشارة إلى السيدة ثريا بنت محمد بن عزان:
يبرز الكاتب ارتباط أسرته بهذه الشخصية المؤثرة في وادي بوشر، ويعزز ذلك بصورة البيت العريق “بيت المقحم”، الذي يتحول إلى رمز لكرم الأسرة ومكانتها الاجتماعية، ودورها في العمل الخيري. وقد استخدم المؤلف هنا الأسلوب التوثيقي التأملي، رابطًا بين سيرته وتاريخ مجتمعه المحلي.
• شجرة العائلة:
يقدم الكاتب شجرة العائلة كوثيقة لا تُعنى فقط بتسلسل الأنساب، بل كبيان اجتماعي ثقافي يُبرز قيم الانتماء والهوية. تميز هذا الجزء بالدقة، واعتمد على مصادر مكتوبة وشفوية ورسمية، ما أعطى للكتاب بعدًا مرجعيًا، وسمةً أقرب إلى التاريخ العائلي المؤرخ.
• حنين المكان والوجدان:
في مشاهد الطفولة، يظهر الكاتب متأملًا في صور الحياة الزراعية: أشجار المانجو، صوت الفلج، نداءات بيع الفاكهة (الأثر)، وهي صور تتكرر كلحن بصري وسمعي يشكل نسيج الذاكرة. هذا الوصف ليس عفويًا، بل مقصود فنيًا لإبراز الحنين كأداة سردية، تتشكل بها الهوية الوجدانية.
• المجالس:
وصف المجالس جاء بثراء لغوي ودفء شعوري؛ مجلس “بيت العود” في الشتاء، ومجلس “القيظ” في الصيف، وهما رمزان للحميمية الأسرية والدفء الاجتماعي، حيث كان الطفل يتربى في كنف الجماعة، ويتعلم السلوك بالقرب من الكبار.
• أثر البيت الكبير:
لم يكن البيت الكبير مجرد مسكن، بل نظام اجتماعي مصغّر، له قوانينه وهيبته وبواباته المفتوحة فقط بإذن. ربط الكاتب بين طقوس ذلك البيت وبين ملامح شخصيته لاحقًا، حيث تعلم الاحترام، النظام، والكرامة. فالسرد هنا يربط بين الفضاء المكاني والتشكيل القيمي للفرد.
1. البُعد الإنساني:
يتجلّى البعد الإنساني بوضوح في وصف الكاتب لحياة القرية، لا من حيث المظاهر فقط، بل من خلال علاقات الناس، الألعاب البسيطة، الفرح المشترك، طقوس رمضان، وحتى انتظار الحلوى. كل ذلك يشير إلى عمق الارتباط العاطفي بالناس والمكان والزمن. النص ينبض بالدفء الإنساني والصدق الشعوري. كما يكشف النص عن عمق التجربة الإنسانية في مواجهة الفقر، والغربة، والسعي نحو الحلم رغم ضيق الإمكانات. الكاتب كان فتىً لم يبلغ الخامسة عشرة، تزوج مبكرًا، وواجه صعوبة الحياة برغبة داخلية ملحّة للتغيير. الإنسان هنا يُقدَّم ككائن حالم، صابر، مقاوم للظروف، لا ينكسر أمام الاضطرار، بل يتجاوزه بالإرادة.
2. نوع السرد:
النص يتبع السرد الذاتي بضمير المتكلم، حيث ينطلق من الذاكرة الشخصية للكاتب، لكنه يتحوّل إلى سرد جماعي حين يعبّر عن مشاعر ومواقف يشترك فيها أبناء القرية. السرد هنا استرجاعي، يعتمد على تقنية “الفلاش باك”، مع حضور قوي للحنين والنوستالجيا.
إلى جانب يعتمد الكاتب على السرد الذاتي الواقعي الممزوج بروح التأمل والمكاشفة، بلغة تتنقّل بين البساطة والعذوبة، محملة بصدق التجربة وهنا السرد على عدة خطوط فنية.
• يغلب على السرد الزمن الاسترجاعي (الفلاش باك)، إذ يعود بنا إلى مرحلة الشباب المبكرة ثم إلى تفاصيل الغربة.
• يستخدم ضمير المتكلم ليخلق قربًا وجدانيًا مع القارئ، مما يعمّق البُعد
الإنساني.
• التغذية البصرية واسترجاع الزمن الماضي:
يمنح الكاتب تفاصيل دقيقة ويقدّم تغذية بصرية عالية، من خلال وصف تفاصيل دقيقة للمكان والزمان، هذه المشاهد تُنتج ما يمكن تسميته بـ السينوغرافيا السردية، حيث يستعيد المكان حضوره في ذهن القارئ بدقة تصويرية
مثل:
• شكل الميناء، وموقع قصر العلم، و”الولجات” التي تفصل بين البحر والناس.
• مشهد “حوطة أوبل” في البحرين، حيث يتجمع العُمانيون، وسياق انتظار العمل.
• ألعاب الأطفال المصنوعة من الطبيعة.
• مشهد انتظار الحلوى في رمضان.
• صورة السوق في مطرح، وامتلائه بالحركة.
• وصف شخصية سلمى بنت فرج بإيجاز، لكنه يوحي بعالم كامل خلف الاسم.
كلها صور تشكّل مشاهد بصرية في ذهن القارئ وتُعيد بناء الزمن الماضي بأسلوب حي وملموس.
3. اللغة والأسلوب:
اللغة شاعرية، عاطفية، مائلة إلى الأسلوب الحي السردي المشبع بالصور والتشبيهات. يبرز استخدام الجمل المتوازنة مثل: “الفرح يُصنع باليد، ويُغنّى بالضحكات.”
ويوظّف الكاتب كذلك الإيقاع الداخلي والتكرار الخفيف لإضفاء موسيقى ناعمة على النص.
4. محاور البناء الفني:
النص مبني على عدة محاور سردية:
• محور الطفولة واللعب الشعبي.
• محور الطقوس الرمضانية والحنين.
• محور التجارة والريادة المجتمعية.
• محور الغربة وتكوين الهوية الشخصية
• محور تنقل الكاتب أثناء الحياة العملية…وغيرها من المحاور.
وهو تسلسل منطقي يبدأ من البساطة الروحية، ثم ينتقل إلى الحياة الاقتصادية والاجتماعية، مما يمنح النص توازنًا بين التأمل الشخصي وتوثيق التحولات المجتمعية.
5. الرموز والدلالات:
• الحلوى العمانية: ترمز للفرح المؤجل، واللحظات النادرة التي تُصنع من الشوق أكثر من المادة.
• سلمى بنت فرج: ترمز لتمكين المرأة في زمن تقليدي، وللحكمة النسائية المغفلة في سرديات التاريخ.
• سوق مطرح: رمز للتبادل الحضاري والانفتاح التجاري الذي شكّل وعي أبناء القرى.
دلالة جواز السفر يرمز إلى الانعتاق والتحول الأول في الوعي.
• السفر ليس مجرد تنقل مادي، بل هو حركة داخلية في مسار النضج.
• حوطة أوبل تمثل شكلًا من أشكال التضامن المجتمعي والانتظار الإنساني.
• العودة بعد عامين ليست مجرد عودة جسدية، بل هي رجوع ناضج، محمّل بتجربة شكلت اللبنة الأولى لمسيرته الفكرية والحياتية.
6. التجربة الإنسانية:
1• تجليات الذاكرة
من خلال سرد الأحداث بصوت الذات الحكائية، يتمكن الكاتب من التركيز على الأبعاد الإنسانية للتجربة. مثلاً، عندما يتحدث عن لقائه مع جلالة السلطان قابوس، أو المواقف التي واجهها في الولاة، فإن الكاتب يضع نفسه في موقع الشاهد والمشارك في الأحداث الكبرى التي شهدتها عمان. هذا الأسلوب يجعل القارئ يشعر بقوة التفاعل العاطفي مع الأحداث والأشخاص الذين كان لهم دور في تشكيل حياة الكاتب. يقوم الكاتب بتقديم وصف دقيق للمواقف والبيئات التي عاشها، بدايةً من حصوله على رخصة القيادة



