
يأتي شهر رمضان الفضيل حاملا معه الكثير من الذكريات الجميلة الساكنة في قلوبنا وفي لحظات التأمل نفتح نافذة لتلك الذكريات التي تأخذنا لفصول مرت في العديد من المواقف لشخوص وامكنة وأزمنة لا يزال عبير شذاها ينتشر في الارجاء يعمل في النفس البهجة والسرور .
في بلدة بلادسيت بولاية بهلاء بمحافظة الداخلية يتذكر الاهالي عن ظهر قلب الجدة والوالدة والمعلمة نصره بنت سليمان بن حمد الصبحية التي رحلت عن هذه الدنيا قبل أعوام قليلة لكنها تركت إرثا لا ينسى يتمثل في سمو الاخلاق والكرم والتسامح والعلم يتذكره الجميع.
فبعد 95 عاما قضتها بحلوها ومرها كفاحا في العلم والمعرفه وسعيا لعمل الخير الذي يتذكره أهالي بلادسيت بزمانها الذي لا ينساه من تتلمذ على يديها ولا ينساه من طلب العون والمساعدة منها فيقول عنها حفيدها محمود بن محمد بن حماد الهنائي لاشك أن شهر رمضان يحمل معه الكثير من الذكريات التي عشناها والكثير منا يختزن في ذاكرته تفاصيل عميقة مرت به في هذا الشهر المبارك ولي مع جدتي الراحلة نصره بنت سليمان بن حمد الصبحية مواقف وذكريات
عشناها معها – حيث يحق لي أن إصفها – بأنها مدرسة في عالم الحياة، نعم رحلت عن دنيانا الفانية بعد أن عركتها الحياة بثقالها وعايشت صخب الحياة بحلوها ومرها فكانت خلال شهر رمضان اشبه بالشمعة او الفانوس المضيء فكانت تنثر لنا الحكم والامثال والمواعظ وتشجعنا لقراءة القرآن الكريم وتدبر اياته وكانت تحثنا على أداء الصلاة بوقتها وتذكرنا بها عند كل أذان وكثيرا ما كنا نعيش ليالي شهر رمضان بجانبها تحكي لنا قصص الرعيل الأول من المسلمين وقصص الأنبياء والصالحين وكنا نتسمر حولها كل ليلة بعد عودتنا من صلاة التراويح لنستمع إليها وتشنف أسماعنا باحاديث عذبة.
كانت متحدثة بليغة ولديها ملكة في السرد فقد وهبها الله علما ومعرفة وقوة شخصية وكانت بفضل الله تعالى واحدة من نساء قريتنا المؤمنات اللاتي يشار اليهن بالبنان، فقد كانت مثالا للصبر والتحمل، حيث يعدها الجميع إمراة تعمل بجهد واخلاص عشرة رجال بشبابها حيث عملت بما أوتيت من قوة وعقل فقد كانت يرحمها الله تعمل أعمالا شاقة قلٌ نظيرها هذا الزمان.
لقد عرفت برجاحة عقلها الناضج بذكر الله وحمده فكانت تعتمد على نفسها في جني ثمار النخيل دون الحاجة إلى حبل ( الصوع ) الحبل الذي يستعان به لطلوع النخل في موسم القيض وجني الرطب وقت الخراف و( تنبيت النخل ) في مطلع موسم القيض وغيرها وتحمل فوق رأسها(المخرافة) حيث كان الأهالي الذين يسكنوا قريبا منها يتسابقون إليها بعد صلاة الفجر طامحين بأن ( تخرف) أي تجني رطب النخل له نصره بنت سليمان رحمها الله. فعرفت بالحنكة والقوة فنزلت في أعماق الآبار بنفسها دون مساعدة أحد هبوطا وصعودا لإستخراج الماء فخدمت نفسها وقدمت العون لغيرها فتفرغت لرعي اغنامها وجمعت الحطب من الجبال والأودية وقد كانت تعود قبل أذان الفجر إلى منزلها بعد ري المزروعات في الضاحية التي تمتلكها عودة لتجهيز اللبن لوجبة الإفطار.
كانت تسخر الكثير من أموالها في اعمال الخير كالتعليم في تلك الحقبة من الزمن وكان المرحوم المعلم قلم بن خميس الهنائي غفر الله له معلما بالقرية وأحد الذين يستذكرون سيرتها الحسنة وفي كل زيارة لها وهي على فراش الشيخوخة كان يجهش بالبكاء كيف لا وهو يعرف مقام ومكانة هذه المرأة ودورها في المجتمع وماضيها الحافل بالعمل الإنساني فكانت الأم الحانية على الجميع والمعلمة الكريمة والمربية الفاضلة وكل من عرفها من نساء قريتها ومن صاحبها كأمه ألفوا فيها السمات الحميدة وما تقدمه من أعمال جليلة في وجوه الخير فآوت عددًا من أبناء قريتها منهم من فقد أبويه أو أحدا منهما وهو طفل فاعتنت بهم أيما عناية وربتهم أفضل تربية وزرعت فبهم الصفات الطيبة والأخلاق الحميدة.
يضيف حفيدها محمود قائلا : تمشي جدتي من بلادسيت إلى بلدة الغافات التي تبعد عنا اكثر من 20 كيلو مترا مشيا على الأقدام لتحفظ أموال الناس عندما يغادرون الوطن بسفرهم إلى الحج والعمرة فكانت تروي المزروعات وتحفظ الأمانة وتحمل أوعية الماء على رأسها الذي تجلبه من فلج الغويف للشرب وتجلب المياه على ظهور الدواب لري المزروعات القريبة منها وأماكن أخرى ليست بقريبة.
وفي شهر رمضان المبارك في تلك الحقبة من الزمن كان بيتها يعج بالمارة حيث يمرون على بيتها لمتواضع على جانب الطريق يشربون ويأكلون مما رزقهم الله به بعد أن حلّ الظلام ويخرج الناس لأداء صلاة التراويح.
لقد كانت الجدة والمعلمة الراحلة نصراء الصبحية واحدة من نساء قرية بلادسيت العريقة اللاتي كن مثالا رائدا للصبر والكفاح نسأل الله لها الرحمة والمغفرة وأن يسكنها فسيح جناته ..




