الثقافي

بماذا تترنددون؟

يونس بن مرهون البوسعيدي

في سنة 1999م درستُ هندسة الطيران في الكلية الفنية الجوية، كانت لغتي الإنجليزية لا تتعدى نُطق المفردات الشائعة، وإنما بلحنٍ عربيّ مُبين، فكان المُعلمون الإنجليز لا يفهمون نُطقي، وحين كنتُ أذاكر دروسي الهندسية أعودُ لمعجم أكسفورد لأترجم كل كلمة في حين كان زملائي يستوعبون الدروس بألفاظها الأجنبية، أيقنتُ حينها أنّ تعريب التعليم سِرٌّ لو عاد له العربُ لعادتْ لهم الحضارة، وبقيت في نفسي حزازةُ أنّ بعض الأصدقاء حين يتناقشون في العمل تسيل المفردات الإنجليزية في لسانهم بعفوية المفردة العربية، لأن المفردة الإنجليزية ترسخت في عقلهم الباطنيّ دالّةً على المعنى المُراد أقوى من اللفظ العربي.

“التغريد في تويتر بهاشتاق …. صاير ترند” لو تكلمتَ بهذه العبارة في مجلس، فسيُفهم مغزاها أكثر من عبارة “الحديثُ في منصة “تويتر/أكس” بوسم ….. صار رائجًا” فالمفردات “تغريد في تويتر/أكس، هاشتاق، ترند” تُترجم في العقل الباطنيّ بصورة أسلس.

يكاد أنْ يُجمِعَ مفكّرو اللغات الحيّة أن وظيفة اللغة هي خلْقُ اتصالٍ بين المتكلّم والمتلقي سواءً كانت بصوتٍ مسموع أو بإشارةٍ مفهومة، وليست غريزية كما يراها “إدوارد سابيير” بمعنى أنه يُمكن الاستغناء عن اللغة الأولى بلغة أخرى، أو تشذيبها كما يُفعل مع الغرائز ولكن لا يُستغنى عنها، وهي نشاط إنساني اجتماعي كما يراها “أوتو يسبرسن” بمعنى أنها تفاعليّة، ويرى “هردر” اللغةَ القومية أنها الوعاء الذي تتشكل وتحتفظ به أفكار الشعوب” وهذا الحفظ وتلك التفاعلية يشيران لتطور اللغة ويكون ذلك بتطور مفرداتها، سواء بدخول مفردات جديدة عليها، أو ببقاء مفرداتها الأصيلة قيد التداول، وعلى ذلك تسمع الكثيرين يقولون “OK، ألو ،… إلخ ” سواء رضينا أو أبيْنا صارت مفرداتٍ متداولة مستساغة الفهم، وسهولة الفهم مع شيوع المفردة هو الذي يجعل اللغة حيّة. وفي معجم الأدباء قصّةٌ خلاصتُها أن رجلا من أهل الكوفة قدِمَ على أبي بكر بن دريد، فسأله أسئلةً يظهر منها التعنّتُ، وأجابه ابنُ دريدٍ عن كل أسئلته، ثم قال ابنُ دريدٍ للرجُل الكوفيّ، فإني سائلُك عن “القهوسة والقعسرة والقعنسة والقعوسة والعرطسة والبحدلة والبهدلة والكهدلة والغطمشة والهجعمة والخضرعة والخثعمة والشغفرة والكلحبة والقثعرة”؟ فعلِمَ الرجُل الكوفيّ مقدار جهله. مع العِلم أن ابن دريد فسّر له وللحاضرين معاني تلك المفرداتِ بشواهد من كلام العرب الأوليين. وهذه الألفاظ الغريبة والمستوحشة لم تكن ولم تعُد مستساغةً نطقا ولا سلسة الفهم عن مستمعيها، وستثير فيهم النفور والسخرية منها، ولن يشفع لها أنّها عربية قُحة.

حتى في القرآن الكريم قال عديدُ العلماء كالقرطبي “لا خلاف بين الأئمة أنه ليس في القرآن كلام مركب على غير أساليب العرب” ولنُدقق النظر في قول القرطبي “كلامٌ مركّب على غير أساليب العرب” ولَمْ يقُل كلماتٍ جذورُها غير عربية، بل إن على غير أساليب العرب، أي كلام لا يخضع للبناء والإعراب، وعلم النحو والتصريف، هنا عضلة القوة في لغة الضاد، والاختلاف الذي احتدم بين العلماء على وجود أو عدم وجود ألفاظ “أعجمية أو مشتركة بين العرب والعجم” في القرآن الكريم، يؤكدُ قُدرة استيعاب اللغة العربية لجميع الألفاظ الجديدة.

تعريبُ كلمة “ترند” جعل البعضَ يظنّ أنّ هذا أول تعريبٍ يقومُ به مجامع اللغة العربية سواء في القاهرة أو دمشق أو العراق أو الأردن أو غيرها، وأظن أنه لولا كلمة “ترند” لما التفتَ الجمهورُ للخبر، فتعريبُ “ترند” صار “ترندا” ، وهذا ما جعلني أبحثُ عن الكلمات التي سمح المجمعُ بتعريبها من اللغات الأخرى التي اختلطت بالعربية كالفارسية والهندية والتركية، والآن الإنجليزية والفرنسية، فوجدتُ كتبًا مؤلفة حول دور المجمع في التعريب وغيره، إضافة للكلمات التي رفض تعريبها وأصرّ على وجود ألفاظ عربية لها، ولتنشيط الذاكرة فهناك كلماتٌ يسيل بها اللسان باستساغة على امتداد القطر العربي، لكن التاريخ خبّأ أصلها وهي كلمات معرّبة : التلفزيون، التلفون، الجمرك، البصمة، البخت، الديوان، الأرشيف، البنك، الرادار، الطابور، الساندوتش، الفاتورة، الفهرس، الاسطرلاب، الإبريسم، الفرسخ، الخندق، الدرهم، و ……. غيرها الكثير والكثير، فلماذا يظن البعض أننا نحفرُ قبر لغتنا بتعريب كلمة “ترند” وقد صارت شائعة مفهومة مطواعة لقواعد لغة الضاد؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى