
حين تعصف بنا الحياة بكل تقلباتها وتراجيديتها، نجد أنفسنا غرباء بلا شك، باحثين عن معنى وسط دوامة الأحداث، وبين سطور هذه الرواية، يختبئ سر مكلوم، ينتظر أن يكشفه لنا البطل وهو يخوض رحلته في أعماق المستور، متحملًا كل المآسي التي تنسجها الأقدار، بهذه الحبكة المشوّقة، يأخذنا الكاتب سلطان الشيباني في روايته غرباء، الصادرة عن مكتبة كنوز المعرفة العمانية، حيث ينسج لنا سردًا دراميًا ثريًا يعيد تشكيل مفاهيم اعتدنا على اعتبارها بديهية.
ينطلق بنا الكاتب من الحصن التراثي القديم، حيث تتجلى بساطة الحياة من خلال الباعة كبار السن، الذين يضفون بحكاياتهم وأحاديثهم العفوية رونقًا خاصًا يعيد إلى الأذهان سحر الماضي وأصالته.
وسط هذا المشهد النابض بالحياة، يلتقي هؤلاء الباعة بمجموعة من المصورين المبدعين، الذين وقع اختيارهم على هذا المكان ليكون محور فيديو قصير، يأملون من خلاله تحقيق التميز في إحدى المسابقات.
وفي قلب الرواية، نعيش الصراع النفسي والواقعي للبطل، الذي يقف وجهًا لوجه أمام الفقر والتحديات، رافضًا أن يكون العوز حاجزًا بينه وبين طموحاته رغم التعثرات التي تحيط به، يواصل المحاولات، منتشلًا نفسه من براثن اليأس في كل مرة، مما يعكس عمق الفكرة التي يطرحها الكاتب حول الإصرار والمقاومة.
ما يميز الرواية أنها لا تقتصر على الجانب الشخصي للبطل فقط، بل تتناول قضايا اجتماعية معاصرة بأسلوب سلس ومؤثر يناقش الكاتب تأثير التكنولوجيا، الابتزاز، والرشوة التي يمارسها بعض الموظفين، مما يجعل القارئ يتأمل كيف تتشابك هذه العوامل في رسم مصير الأفراد والمجتمعات.
رغم أن هذه المواضيع قد طُرحت في كتابات عديدة، إلا أن سلطان الشيباني ينجح في منحها بعدًا جديدًا، مستفيدًا من قوة السرد والتفاصيل الحداثية التي تعطي النص جاذبية خاصة.
الحارة القديمة في الرواية ليست مجرد ديكور للأحداث، بل كيان حي ينبض بالذكريات التي تعكس علاقة الإنسان بأرضه. في قلب هذا المشهد، تظهر النخلة كرمز للحياة والصمود، وكأنها الشاهد الصامت على مرور الزمن، فهي ليست مجرد شجرة، بل مصدرا للرزق والقوة والصبر، وكأنها تُعلّم الإنسان كيف يواجه الشدائد كما واجهت هي قسوة الطبيعة. يقول الكاتب في وصفها:
(هذه يا ولدي منها يصنع الخصف، يتم تبليل السفة بالماء، لتليينها وتسهيل التحكم بخياطتها، ويبدأ الخصَاف بثني طرفي السفة بطول قُطر قاعدة الخصف المطلوب)
كل هذه العناصر تتداخل مع الغموض المحكم الذي ينسجه الكاتب في الرواية، حيث يبقى السر المكنون خفيًا حتى اللحظات الأخيرة، مما يُبقي القارئ متشوقًا لمعرفة كيف ستتكشف الحقائق وتأثيرها على الشخصيات.
رواية غرباء هو عمل أدبي، بل رحلة في أعماق التاريخ والإنسان والمصير، تحمل بين طياتها دروسًا عن الحياة، الانتماء، وقيمة الكفاح في مواجهة الأقدار.



