الثقافي

عند الله تجتمع الخصوم

بقلم صالح بن سعيد الحمداني

هناك عبارات حين تسمعها لا تمر مرور الكرام ولكنها تهزّ أعماقك وتترك في قلبك أثرًا لا يُمحى، ومن هذه العبارات الجليلة “عند الله تجتمع الخصوم” و “حسبنا الله ونعم الوكيل”، كلمات قليلة، لكن وقعها أكبر من أن يُقاس ورسالتها أبعد من أن تُحدّ بزمان أو مكان، هي ليست مجرد ردّ فعل بلحظة غضب أو حزن ولكنها إعلان رسمي بأن القضية خرجت من يد البشر إلى ميزان السماء حيث العدل المطلق والحق الذي لا يغيب والقاضي الذي يعلم السرّ وأخفى.

نعم… عند الله تجتمع الخصوم هناك لا يُطلب من المظلوم شهود ولا يحتاج لمحامٍ يدافع عنه فالشهود هم الأعضاء والجوارح تنطق بما ارتُكِب من جرمٍ واعتداء والملف مكتمل أمام قاضي القضاة العليم الخبير، وهي رسالة قوية يبعث بها المظلوم حين يعجز عن ردّ ظلمه في الدنيا فيحوّل ملفه من عدالة الأرض التي قد تخطئ أو تتأخر إلى عدالة السماء التي لا تنام، كم من ذنبٍ بين العبد وربه يُغفر بصدقة أو صلاة أو دعاء واستغفار ولكن المظالم بين العباد لا تسقط بالتوبة وحدها وإنما تبقى عالقة حتى يقتصّ الله لكل صاحب حقٍّ ممن ظلمه ولو بكلمة أو نظرة أو لقمة طعام حُرِم منها بغير حق، ولهذا كان الحذر من ظلم الناس واجبًا لأن القصاص يوم القيامة لا يُشترى ولا يُؤجَّل، وحين يقول لك إنسان “حسبنا الله ونعم الوكيل” فاعلم أن الملف أُغلق على الأرض وفُتح في السماء وأن الحكم لن يصدر إلا من فوق سبع سماوات، إن هذه الكلمة ليست مجرد تبريرٍ للعجز ولكنها إعلان ثقةٍ في عدل الله وانتظار لحكمه الذي لا يُردّ وهي أيضًا تحذير غير مباشر لمن كان سببًا في الظلم بأن الحكم قادم لا محالة والخصومة ستُعرض على أعظم محكمة، والقاضي هو الله.

كم من إنسانٍ سيقف أمام الله محمَّلًا بخصومات لا تنتهي فكم هناك أرملة حُرِمت من حقها، أو طفلٌ جاع ونام على الأرض الباردة، أمٌّ ثكلى فقدت ابنها ظلمًا، شهيدٌ أُزهقت روحه بلا حق، مسجونٌ عاش سنوات القهر في غياهب السجون، شعوبٌ كاملة أُذلّت وجُوّعت وتآمر عليها من يملك القرار، هؤلاء جميعًا سيقفون خصومًا يوم العرض الأكبر، يوم تنطق الجوارح وتكشف الصدور، والسؤال المرعب الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا كيف سنقف أمام الله؟ ما الجواب الذي سنقدمه عن كل ظلمٍ اقترفناه أو سكتنا عليه؟ عن كل موقفٍ كان في استطاعتنا أن نغيّره فلم نفعل؟ عند الله تجتمع الخصوم ليست فقط رسالة فردية فهي أيضًا نداءٌ جماعي إلى العالم الساكت على المذابح والتجويع والتهجير وهي صرخة في وجه النائمين وفي وجه المتآمرين على عباد الله وفي وجه من باعوا ضمائرهم مقابل منصبٍ أو مال، وأيضا حين نقول “حسبنا الله ونعم الوكيل” فنحن نوكل أمرنا إلى الله عن كل مظلمةٍ عشناها وعن كل دمٍ سُفك بغير حق ةعن كل جوعٍ كان متعمدًا وعن كل سجنٍ كان مخططًا، عن كل دمعةٍ سالت وعن كل يدٍ قُطعت ظلمًا وعن كل لسانٍ مُنع من قول الحق، نحن نوكل أمرنا إلى الله عن كل ألمٍ تحمّله مسلم ومسلمة وعن كل طفلٍ بريءٍ فقد براءته في صراعٍ لم يختره، في يوم القيامة سيكون لكلٍّ واحدٍ منا خصومٌ قد لا يتذكّرهم في الدنيا ولكنهم سيذكرونه عند الله وسيقف أمامنا كلُّ من ظلمناه أو استهَنّا بآلامه أو ضيّعنا حقَّه أو حتى شاركنا في ظلمه بالصمت، سنقف أمام الله لتأخذ حقَّك أو آخذ حقي.

عند الله تجتمع الخصوم هذه العبارة العظيمة ليست جملةً عابرة وإنما تذكرةٌ دائمة بأن الدنيا دارُ عملٍ والآخرةَ دارُ حسابٍ وأن عدلَ الله لا يُؤجَّل وإن تأخّر في نظرنا فهو آتٍ لا محالة، ومن أدرك هذه الحقيقة عاش حياته بميزان العدل وخاف أن يلقى اللهَ وخصومُه أكثرُ من حسناته وإنها لرسالةٌ عظيمةٌ لكلِّ ظالمٍ إن استطعتَ أن تفلت من قضاء الأرض فلن تفلت من قضاء السماء، وفي الوقت ذاته هي رسالةٌ لكلِّ مظلومٍ إن ضعفتَ عن أخذ حقّك اليوم فاعلم أن الله لا يضيّع حقَّك أبدًا، وكأن لسانُ الحال يقول عند الله تجتمع الخصوم ولن أسامحك لأني رفعتُ دعوى الدنيا ليومٍ أحتاج فيه إلى الحسنة أبحث عنها فأجدها منك عدلًا من الله وإنصافًا، سأُقاضيك أمام الله ولن أسامحك عن كلِّ حرفٍ أو فعلٍ أو بهتانٍ أو غدرٍ أو طعنٍ، وعند الله الموعدُ واللقاءُ والعدلُ وعند الله تجتمع الخصوم بإذنه تعالى، ويبقى السؤال مفتوحًا أمامنا جميعًا كم خصمًا سنواجه يومَ تجتمع الخصوم عند الله؟ وكم مظلومًا سنكذِّب حين تنطق الحقائق دون مقدرتنا على نكرانها، “الجواب عندك… لكن الحكم لله”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى