مجتمع التكوين

رحل عن الدنيا بسجيته

إسحاق الحارثي

حاولت الكتابة منذ أن وارينا جثمانه الطاهر التراب ولكن لم أستطع في ليلة الفقد الأولى فقد كانت صعبة جداً، لم تسعفني الكلمات وخانتني العبارات وكلما أردت أن أسطر خطاً يتوه مني السطر التالي وكلما أردت العودة يضيع مني ما قد بدأت كتابته ووقفت عاجزاً ماذا أكتب وماذا أقول فيه.. فقد صعب وغال وعزيز.

هنا قد بدت تلوح خيوط الفجر وأنا شارد الفكر ضائع التفكير، التعب يحاصرني والنوم يداهمني والوقت يسرقني وفي النهاية لم أقاوم جميع تلك الصراعات واستسلمت للنوم، وفي اليوم الثاني وبعد أن استوعبت كل ما حصل وما دار من أحداث في تلك الليلة الظلماء، هممت بعدها كتابة هذا النعي الذي بين ناضريكم.

مساء الجمعة ٣١ يناير ٢٠٢٥م، شعر أبو خالد وهو في بيته ووسط أسرته بألم حاد في الصدر وكان يمني النفس أن ذلك عارض صحي ليس إلا، وسوف يعاود المستشفى يوم الأحد إلا أن ابنه (خالد) لم يترك الأمر إلى يوم الأحد بعد أن شاهد والده يمر بمرحلة غير طبيعية لذا أخذ مسرعاً بنقل والده إلى المستشفى الذي يتعالج فيه وبعد أن وصل إلى المستشفى وتم تشخيص حالته الصحية تطلب الأمر نقله فوراً إلى المستشفى السلطاني الذي شخص الحالة بعد وصوله بأنه يعاني من انسداد في بعض الشرايين القلبية وعدم انتظام ضربات القلب بالشكل الطبيعي ولابد من تدخل جراحي سريع وتم ذلك بنجاح وتم نقله بعد إجراء العملية إلى غرفة العناية والمراقبة إلى أن تتحسن صحته إلا أن الأقدار سبقت ذلك.

السبت ٢ شعبان ١٤٤٦هجري الموافق ١ فبراير ٢٠٢٥م الساعة الواحدة ظهراً رحل عن الدنيا المغفور له بإذن الله تعالى درويش بن سعيد الشبلي أبو خالد (١٩٥٨م-٢٠٢٥م).

رحل ذاك الرجل الورع التقي المعلق قلبه بالجوامع والمساجد أينما حل وارتحل ودعنا بابتسامته المعهودة راحل إلى الرفيق الأعلى ليلاقي ربه بسكينة وطمأنينة وسلام.

رحل أبو خالد عن الدنياء على طبيعته وصفاته الحميدة ودماثة أخلاقه وابتسامته التي لم تفارق محياه للصغير قبل الكبير، وكما قال الشاعر :

رحلوا وما أبقى الرّحيلُ متاعا.

تركوا الحنينَ مع الأنينِ مشاعا.

ياليتهم قبل الرّحيلِ تريّثوا.

حتى نُعانِقَ أو نقولَ وداعا.

رحل أبو خالد عن الدنيا بعد أن أفنى حياته في حب الخير للغير وفي العفو والتسامح وفي حرصه على صلة الأرحام والأهل والأقارب والأصدقاء والجيران وفي كل أعمال الخير التي يحبها الله والتي ذهبت معه.

رحل أبو خالد الأب والعم والخال والجد المربي الرحيم الحنون المخلص الفاضل ذاك القلب الكبير الذي اتسع واحتوى جميع أبناء وبنات العائلة والأسرة الكريمة بل ذهب الأمر إلى أبعد من ذلك فذاك القلب الفائض كان يعطف على من يعرفه ومن لا يعرفه فبمجرد أن وصل الخبر إلى عائلة لا تمت للمغفور له بصلة قرابة بعد أن سمعت خبر وفاته هرعت مسرعة لتقدبم التعازي والمواساة لأسرة الفقيد وتستحضر قصة من قصص الوفاء لهذا الرجل الخير بأعماله حيث تذكر تلك العائلة بأنه كان ينقل أبناءهم إلى المدرسة في مركبته الخاصة بشكل يومي دون أدنى معرفة بهم وبعد فترة طويلة كبر أولئك الأبناء والبنات ليتفاجؤا بهذا الخبر.

رحل أبو خالد وترك الكم الكثير من الأثر الطيب الذي لا يعد ولا يحصى.

اللهم لا اعتراض على قضائك وقدرك إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي الله، «إنا لله وإنا إليه راجعون» اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله وأغسله بالماء والثلج والبرد واجعل مثواه في جنّة الفردوس الأعلى يارب العالمين يا أرحم الراحمين

اللَّهمّ إن عبدك درويش بن سعيد الشبلي في ذمتك وحل بجوارك فقه فتنة القبر وعذاب النار وأنت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمهُ إِنكَ أنت الغفور الرحيم اللهم آنسه في وحدته، وفي وحشته، وفي غربته، اللهم أبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله، وأدخله الجنّة، وأعذه من عذاب القبر، ومن عذاب النّار.يا الله ياكريم يارحيم يا ذا الجلال والإكرام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى