
في غرفة جدي، على الجدار المقابل لسريره، كانت هناك ساعة حائط قديمة، مربعة الشكل، عقاربها سوداء طويلة، وصوتها يملأ البيت كل دقيقة بطَرقٍ يشبه النبض.
لكن في صباحٍ بعيد، استيقظنا على صمت غريب.
دخلتُ الغرفة فوجدت الساعة متوقفة عند الثالثة والربع.
ظننتها مجرد عطل بسيط، لكن أمي قالت وهي تنظر إلى سرير جدي الخالي:
لقد توقفت عنده… لحظة أنفاسه الأخيرة.
منذ ذلك اليوم، لم نحاول إصلاحها.
تركناها معلقة على الجدار، تشير دائمًا إلى الثالثة والربع، كأنها تحرس اللحظة، أو تعلن أننا لم نتجاوزها بعد.
كبرتُ وأنا أمرّ أمامها يوميًا، أحيانًا أسمع عقاربها تتحرك في ذهني رغم صمتها.
كنتُ أسأل نفسي: هل الزمن يتوقف فعلًا حين يموت أحدنا؟
أم أن الساعة وحدها اختارت أن تحزن؟
وحين سألت أبي ذات مرة: لماذا لا نغيّرها؟
قال: بعض الساعات لا تصلح للوقت، إنما تصلح للذاكرة.
وهذه الساعة، يا ولدي، تذكّرنا أن لكل إنسان لحظة، يتوقف عندها الزمن مهما جرى.
مرت السنوات، ورحل أبي أيضًا.
لكن الساعة ما زالت هناك، تشير إلى الثالثة والربع.
حتى الغرباء الذين يزورون البيت يلاحظونها.
يسألون: لماذا لا تعمل؟
فنبتسم ونصمت، لأن الإجابة ليست عن ساعة، بل عن قلب توقف.
اليوم، في بيتي الجديد، أحضرت الساعة معي وعلقتها في الصالة.
حين رآها ابني، قال: بابا، لماذا لا تتحرك؟
أجبته: لأنها تحرس وقتًا خاصًا لا يتكرر.
ثم ضحكت في داخلي، إذ أدركت أن الزمن الذي توقف عند جدي ما زال يمشي فينا نحن، لكننا لا نجرؤ أن نمحو أثر ساعته.


