الفني

ابتذالٌ باسم الكوميديا

المسرحي / فهد احمد الباكر،  دولة قطر

لم تكن الكوميديا يومًا مجرد وسيلة للإضحاك، ولم تُخلق لتكون ساحة “هرج ومرج” لكل من “هبّ ودبّ”، أو مسرحًا لعبارات خارجة ونكات مبتذلة تهدف إلى دغدغة الرخيص من مشاعر الجمهور.

الكوميديا الحقيقية، كما عرفها الفن الراقي، هي واحدة من أصعب وأعقد فنون الكتابة والإخراج والتمثيل، لأنها تتطلب موازنة دقيقة بين الألم والضحك، بين التراجيديا والتهكم، بين الواقع القاسي وسخريته اللاذعة. لكنها تُذبح اليوم على كثير من المسارح في عالمنا العربي تحت شعار “الجمهور يريد أن يضحك”.

صار كل من يحمل لقب “فنان” يرى في الكوميديا بوابة سهلة نحو الشهرة، دون أن يمتلك أدوات الفهم العميق لماهية هذا الفن. فسطحيتُها أصبحت قاعدة، والابتذال أسلوبًا، والخروج عن النص تحوّل من كسر رشيق للرتابة إلى عبث فجّ يشوّه النص ولا يضيف شيئًا، بل يتسوّل الضحكة.

الكوميديا ليست “قفشة”، ولا نكتة شوارعية تُرمى بين مشهد وآخر، ولا إيحاءات جسدية رخيصة يلوّح بها ممثل فقد احترامه للمسرح ولذاته. الكوميديا موقف، ومشهد مبني على مفارقات دقيقة، محمولة على بناء درامي صلب يستفز العقل قبل أن يثير الضحك. الكوميديا الحقيقية تضع يدك على الجرح، وتجعلك تضحك من عمق ألمك، تمامًا كما يُقال: “شر البلية ما يُضحك”.

أما ما يُقدَّم اليوم باسم الكوميديا، فهو استهزاء بعقل المتلقي، وإهانة للذائقة الفنية.

والمؤلم أن بعض الكتّاب والمخرجين الرصينين قد انجرفوا خلف هذه الموجة، مدفوعين برغبة السوق، ورضوخًا لضغط جماهيري سطحي، وبحثًا عن الضحك المجاني لا عن المعنى. فتحوّلت أعمالهم إلى مشاهد مفككة، بلا حبكة، بلا صراع، بلا رؤية؛ مجرد “حفنة” من المشاهد المتراصة ترقص على إيقاع الضحك اللحظي. كوميديا بلا دهشة، بلا فلسفة، بلا احترام للذكاء البشري.

والأسوأ من ذلك، أن الممثل – بدلًا من أن يتقمص شخصية ذات أبعاد – يتحول إلى “مهرّج” يتلوى على الخشبة، ويصيح ويبالغ في ردود أفعاله؛ ليس لخلق مفارقة، بل لتضحية بأي وسيلة، حتى لو أهان كرامة المسرح.

في هذا النوع من العروض لا تجد مشهدية بصرية، ولا اشتغالًا على الإيقاع، ولا تشكيلًا إخراجيًا يحمل رسالة. فقط أشكال نمطية ثابتة، وارتجالات لا مبرر درامي لها.

أما الجمهور – نعم، الجمهور – فيتحمل جزءًا من هذه الكارثة. حين يصفّق للابتذال ويُروّج له، فإنه يساهم في قتل الكوميديا الحقيقية، ويغذي كتّابًا يكتبون له ما يريد سماعه لا ما يحتاجه. وهنا تبدأ الحلقة الجهنمية: كتّاب يكتبون رخيصًا، ممثلون يمثلون رخيصًا، مخرجون يُخرجون رخيصًا، وجمهور يتقبّل الرخص… والنتيجة: انحدار ذائقة أمة.

على الكوميديا أن تستعيد كرامتها. وعلى الكتّاب الرصينين أن يعودوا، لا لأن السوق يريد، بل لأن الفن يحتاجهم.

الكوميديا ليست وسيلة للتسلية، بل أداة للتغيير. ومن لا يُدرك ذلك، فليبحث له عن مسرحٍ غير هذا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى