علوم وابتكار

ثورة الذكاء الاصطناعي.. بين الفرص والمخاوف

محمد الزعابي

في زمن بدأت تسيطر فيه الثورة التقنية على كل جزء من حياتنا، وكأنها جيوشٌ فضائية أعلنت غزو واقعنا الذي نعيش فيه حداثة غير طبيعية، قد تؤثر فينا وفي مستقبلنا، وكذلك في إبداعاتنا، وربما يكون عكس ذلك تمامًا، حتى بتنا في دوامة من التساؤلات والتناقضات الفكرية التي تنخر من أدمغتنا بسبب ما نعيشه من تقنيات جعلتنا معلَّقين بين الخوف والآمال المستقبلية القادمة.

ها نحن ننبهر بما نراه من تطور متسارع في التقنيات، حيث إنها تستطيع تحديث نفسها بثوانٍ معدودة، فهي ذكية خارقة تستطيع فعل أي أمر بسرعة فائقة، هذا شأن ما نراه في وقتنا الحالي، فمن البديهي أن يكون القادم صادمًا للبشرية جمعاء، حتى أصبحنا نتساءل فيما بين أنفسنا حين يطغى التأمل العميق على مخيلتنا .
ماذا سيكون صنيع ثورة الذكاء الاصطناعي؟ وكيف ستؤثر فينا؟

اليوم ليس كما كان بالأمس من اختراعات تقليدية متعددة، سواء كانت تخدم الهندسة بكل أشكالها، والصحافة، والطب، والمعدات العسكرية، والمواصلات، والملاحة البحرية، والطيران، وخدمات كثيرة، ألزم الإنسانُ نفسه على استخدامها لمواكبة عصره، بالرغم من صعوبتها في ذلك الوقت.

ومع مرور الأزمنة، بدأت الصورة تسير بنا نحو العكسية، فالخيال الذي رسمناه في عقولنا، وشاهدناه قبل أعوام مضت في شاشات السينما، أصبح حقيقة، تدلي كل تقنية مبرمجة بدلوها وتعرِّف بذاتها، تقول للإنسان: ها أنا ذا. حيث إننا لم نعد نستطيع الاستغناء عنها بتاتًا، فتجد البشرية بكل أطيافها وتنوعاتها التخصصية وطلاب المدارس والجامعات، بل حتى كبار السن والأطفال وطبقة المتدينين، منشغلين بهذه التقنية، فلا عجب، لأنها صارت كل شيء في حياة الإنسان اليومية.

فعندما نتحدث عن الذكاء الاصطناعي، لا بد من التركيز على المستقبل والتنبؤات التي ستحدث لا محالة بسبب تطور هذه التقنية على جميع الاختراعات ، فمنذ أن أُطلق عليه رسميًا اسم الذكاء الاصطناعي عام 1956م، وهو في تطور ملحوظ، لأنه ذكيٌّ خارق يحاكي فكر الإنسان وحواسه ومشاعره، يستطيع تدوين يوميات مستخدمي هذه التقنيات، وتنظيم أوقاتهم، وبعدها يقوم بتخزين كل ما يفعله الإنسان وما يلتقطه من معلومات حتى يعطيها لشخص آخر بلا أي خصوصية.

التقنيات بجميع حداثتها قد تخدم الإنسان وتجعله يعيش في عالم إبداعي، بشرط استخدامها بحذر، لأنها قد تنخر في العقول، وتشتتها، وتُهيئها على حسب ما تريد صنعه في الإنسان، مما يجعلها تستعبده وتحركه على مزاجها.

فالقريب الذي آتٍ بلا شك، أو ما لامسته أيدينا من أجهزة ذكية في أيامنا هذه، يشهد بتفسيرات قد تؤثر على مستقبلنا القادم.

ومن خلال تجربتي مع هذه التقنية في مجال كتابة المقالات أو النصوص، وبعدما أنهيت كتابتها داخل الأوراق، وهذا طبعي البدائي، ولم أستطع ترك هذه العادة إلى الآن، خضت التجربة مع شات جي بي تي، استعنت به لطلب استشارة، وقد أمرته بالتعديل، ولكن لم يقم بمحاكاة عقلي، بل غيَّر كل شيء في المقال، وأصبح مختلفًا عن أسلوبي الذي اعتدت الكتابة به، والذي عرفه القارئ الذي يتشوق لكتاباتي بين الفينة والأخرى ،تعجبت وقلت: سوف أحاول استشارة بعض المختصين في المقال، وللأسف الشديد اكتُشف الأمر، وقد كان الأسلوب متعرِّيًا من الذاتية، ومن تلك اللحظة حاولت ألا أستعين به إلا لأخذ بعض المعلومات التي يصعب علي اكتشافها من المراجع والكتب.

في الماضي، الذي أرَّخ فيه المؤلفون والباحثون، كانت المراجع هي المصدر الوحيد، ورغم صعوبتها إلا أنها تغذي العقل، وتجعل المشروع أو النص المكتوب أكثر دقة من البحث الذي يقدمه الذكاء الاصطناعي، فثمة برامج هاتفية مرتبطة به، ومن أمثلتها جوجل، ويوتيوب، والألعاب الترفيهية التي سحبت عقول الكبار والصغار،والكثير من هذا القبيل.

أعتقد أننا في السنوات القادمة سنهجر الأقلام، وسيأتي من يحلُّ محلها عن طريق الكتابة الصوتية، ومن يعلم، ربما تكون الاختراعات أعظم من ذلك، حيث نتوقع أنه سيستطيع قراءة مخيلة العقل الباطن التي يخبئها الإنسان عبر النظرات المنبعثة إلى شاشات الأجهزة الذكية، أو ربما من خلال اللمس على لوحة المفاتيح.

نحن في حالة ذهول من المفاجآت المتتالية التي نكتشفها يومًا بعد آخر في هذه التقنية العجيبة، التي ستحتل الكثير من الوظائف، وسترتفع البطالة في معظم أنحاء العالم، وبسبب اعتماد البشرية عليها، سيؤدي ذلك إلى أمراض نفسية، ومشاكل صحية واجتماعية، ليس هذا وحسب، بل سيستعبد مستخدميه، وسيتسلط على أفكارهم.

فلا تعجب بعد سنوات عندما يصل طلبك إلى باب المنزل، أو عندما تسافر دون أن ترى قائد الطائرة يجلس في قمرتها، فعلينا أن نتعمق في هذا المجال، ونركز على مستقبل أبنائنا، لفك شفرة الخوارزميات من المحتل القادم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى