ما زال *خريرُ الفلجِ الخالد* يملأ رئتيّ بصوتهِ الموسيقي، وهو يتغلغل بين الصخور منطلقًا باندفاعه، قادمًا بخيرهِ الوفير وببشاراته للحقول الوادعة على ضفاف الوادي الذي تحضنه المزارعُ عن يمينه ويساره، في تناسقٍ أبدع الأجدادُ في نظمه.
سأظلُّ وفيًّا للحقولِ، وللهواء، ولترابها، وللماءِ الذي ينساب بصوته المتناغم في سواقيه المتناسقة بكل جمال.
تعبر الشمس بين جنبات النخل، مُشكّلةً منظرًا آخاذًا على صفحة الماء وعلى الحقول الخضراء وتعلو الأفق لتستأذن الكائنات التي تفهم لغتها المشرقة ، فتتكوّن لوحةٌ من إبداع الباري، تأسرني وأنا أجلس على صوار الفلج (عموده)، مستمتعًا بأصوات تغريد العصافير وهي تشدو، وهديل الحمامات على شرفات البيوت.
أغترف بكفّي قليلًا من الماء البارد الذي ينسلُّ بعضهُ ساقطًا على ثوبي وعلى الأرض، بينما تنطلق في صباحه قوافلُ المزارعين رَوْحًا وغُدوةً؛ منهم من انطلق حاصدًا، ومنهم من ذهب إلى حقله ناثرًا للبذور.
وتُفتح أبوابُ الحضائر لتنطلق الأغنامُ تتسابق على التلال والجبال مع راعيها، وكأنه يخاطب الجبل كما قال الشاعر عبد الرحمن العشماوي في ديوانه:
أتذكرني أيها الجبلُ الشهمُ؟
أتذكرُ وجهي ولونَ ثيابي؟
أتذكر خوفي إذا ما صعدتُ إليك؟ وطولَ اضطرابي؟
أتذكر طفلًا صغيرًا…
يُعلّمُك القفزَ فوقَ الهضاب؟
أتذكرهُ حين كان يجيء إليك…
ليمسكَ ذيلَ السحاب؟
ويقود الراعي أغنامه حينًا وحيدًا، وتارةً ينضمُّ إليه آخرون.
ويجتمع الرجال في الصباح عند *المجلس*، وقد حمل بعضهم القهوة، وآخرون اللبن والتمر، يسردون أيامهم السابقة ولياليهم تلك التي كان ينيرها القمر في كبد السماء، أو السراج المعلّق وسط الدار على الأوتاد.



