الثقافي

محمد المنيع… آخر مشهد، وأول ذكرى وداعا

آمنة بنت محمد البلوشي

ها هو الستار يهبط ببطء…
لا على مسرح من خشب، بل على خشبة عمرٍ عاشه بحب، غرس فيه أعمدة المسرح الكويتي منذ الستينيات، حين كان شابًا يمد حلمه على خشبة صغيرة، ويؤسس مع رفاقه فرقة للمسرح، يؤمن أن الفن رسالة لا تُكتب بالحبر، بل تُكتب بالعرق والصبر.

كانت أولى خطواته الكبيرة على الخشبة في مسرحية “حرب البسوس”، يومها لم يكن يؤدي دورًا وحسب، بل كان جزءًا من حلم جماعي يريد أن يقول للعالم: الكويت هنا… والمسرح هنا. وعندما أُسدل الستار على ذلك العرض، توقفت الحرب على الخشبة، لكن مسيرة محمد المنيع بدأت، ولم تتوقف إلا حين انحنى في مشهده الأخير أمام الحياة نفسها.

كان إذا صعد الخشبة، صعد معها القلب.
عفويّ كنسمة بحر في صباح هادئ، صادق حتى في صمته، وملامحه تحكي قصة الأجداد الذين صنعوا من البساطة جمالًا، ومن القرب دفئًا. في وجهه شيء من الأمان، كأنك تنظر إلى أبيك الذي ينتظرك على الباب، أو جدك الذي يربّت على كتفك، أو صديقك الذي يعرف كيف يضحكك في منتصف الحزن.

أذكر لقائي به في الكويت، عام 1995…
حين قلت له إنني من سلطنة عمان، أشرق وجهه كما يشرق الشاطئ حين تلامسه أول موجة صباح. سأل عن البحر والجبال وكأنه زارها، وحين أخبرته أنني أدرس المسرح، ابتسم وقال:
“لا تتوقفي… بعد التخرج، استمري في المسرح كتابةً، نقدًا، قراءةً… سيكون لك نصيب كبير في هذا المجال.”
كلماته كانت مثل يد تربت على كتفي، تدفعني إلى الأمام بلا خوف.

ومرت السنوات، وفي نهار عابر، التقيته صدفة في مكان عام، فتذكرني وقال بابتسامته الدافئة: “حي ومرحبًا بالعُمانية.”
كانت ذاكرته، كما قلبه، لا تنسى من مرّوا في حياته، ولو للحظة.

محمد المنيع… فنان جميل، صادق، محبوب… لم يكن ممثلًا يؤدي أدوارًا، بل إنسانًا يهب الحياة لونًا وصوتًا. يرحل اليوم، لكن أثره يبقى، كظل نخلة زرعها منذ الستينيات، ما زالت تمنح الظل وتهمس بقصصه لمن يجلس تحتها.

سلام عليك يا أبا عبد العزيز…
سلام على أول خشبة وقفت عليها، وعلى كل ستار أسدلته، وعلى كل حرب أوقفتها في المسرح… لتترك لنا السلام في الحياة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى