النصوص

بحث عن كتاب بين مفترق الزمن

محمد بن خليفة الحضرمي

لقد سافرتُ بعيداً خلال الأيام القليلة الماضية عبر الزمن! منطلقاً عبر ثقب حلزوني؛ دون سابق تحضير من منزلنا الصغير، تاركاً شاطئ قريتنا الجميل، وأصدقائي الأوفياء دون وداع! مع بحارٍ يرتدي قبعة قشٍ كبيرة تغطي كل رأسه الضخم. يجول البحار والمحيطات في سفينته الخشبية الفريدة، متجاوزة كل حدود الزمان والمكان.. انطلقنا بسرعة نسابق فيها الرياح الشمالية الباردة إلى بلاد غريبة تملؤها الكثير من القصص والحكايات. عُدنا بالزمن قبل خمسمائة عام من الميلاد. بعيداً هناك في أقصى الجنوب من القارة الأمريكية الشمالية. حيث حضارة الهنود الحمر المنسية. بدأت رحلتنا من وسط غابات تملؤها أشجار البامبو الطويلة والخيزران. وفي الأفق، أستطيع رؤية الجبال الحمراء الساحرة وطيور العقاب الصلعاء الجارحة تملئ السماء الصافية. وقت الغروب التقيتُ بأشخاص لا يكاد يرتدون شيئاً؛ يقربون القُربان للشمس والنجوم، يتضرعون أمام نار عملاقة وسط الأشجار، يرددون ترانيم رنانة مخيفة، ثورية ملحمية؛ لا يُفهم منها شيء! يرقصون كالمجانين مع قرعات الطبول الجلدية العملاقة، مغمضين أعينهم ويمسكون بأيدي بعض، والعرق من شدة النار الملتهبة يسيل من أجسامهم شبه العارية. وعيونهم الحمراء الصغيرة تمتلئ بالغضب والحزن؛ يفتحونها عند توقف قرعات الطبول وانطفاء النار الملتهبة. فيتفرقون كالأشباح خلف الأشجار وقت اكتمال القمر.

بقينا خلال رحلتنا الغريبة هذه أياماً لا يُعرف نهارها من ليلها! اندلعت فيها الحرب بين بِيض آريون يقتلون ويدمرون كل شيء أمامهم؛ نساء وأطفال، يحرقون الأخضر واليابس! جاؤوا بسفنهم المدرعة الضخمة عبر المحيط الكاهل من أقصى شرق الأرض. يتفنون في أساليب القتل، متذخرين بأسلحتهم الحادة وصليبهم الخشبي. عندما سألت البحار عن أسباب الحرب والقتل غير المفهومة؛ أخبرني أن هؤلاء بشرٌ لا تُعقل؛ يأكلون أبناءهم وزوجاتهم ويعبدون الأرواح والنجوم ويجب التخلص منهم وسرقة أرضهم..

بعيداً عن الحضارة المنسية؛ عُدنا إلى الحاضر القريب عام 2024 من الميلاد، في رحلة كانت شاقة خطيرة، مملوءة بالمغامرات الموحشة والصدف الغريبة؛ مع مقاومين أبطال اتخذوا من الأنفاق ملجأً لهم منذ أكثر من 133 يوماً تحت الأرض! يدافعون عن أرضهم وشرف شعبهم وما تبقى من أحرار أمتهم المُهانة  بعد أن تخاذل الجميع، واستسلم الأحرار، وبطلت كل القوانين. كل العالم تخلى عنهم؛ حتى إخوتهم وأقرب الناس إليهم! وجدنا الجثث الهامدة منتشرة في الشوارع المدمرة، تأكل منها الكلاب والقطط المشردة، النساء والأطفال جياع تائهون وسط أصوات الصواريخ والنيران الملتهبة. كانت مهمتنا البحث عن كتاب قديم يحمل الخلاص لهذا العالم الضائع..؛ اجتزنا خلال رحلتنا الطويلة بلداناً مشتتة، ومدناً محترقة.. واجهتُ الخوف والخداع والخيبة.. وكذلك الحُب في لحظة يأس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى