النصوص

البداية بمتابعة(follow) والنهاية بحظر(block)

سليمان الزيدي

وأنا أتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، استوقفتني مقالة للدكتور جاسم المطوع يقول فيها: “إن الحب في هذا الزمان يبدأ بمتابعة وينتهي بحظر”، جملة قصيرة لكنها تختصر واقعًا عاطفيًا هشًا ومزيفًا صنعته العوالم الافتراضية. تذكرت حينها ما أشرت إليه ضمنيًا في رواية *ظلال الوهم*، المرتقب صدورها، حين تناولت هشاشة العلاقات التي تولد من وهم وتزول بصمت.
في زمننا هذا، لم تعد العلاقات تنمو من معرفة حقيقية، بل من إعجاب بصورة، أو تفاعل مع تغريدة. يبدأ كل شيء بمتابعة، برسالة، بعبارة منمقة، ثم يتصاعد الشعور بسرعة تتجاوز النضج والتأني، حتى تظن النفوس أنها وقعت في حب صادق، لكنها في الواقع لم تعرف سوى انعكاسات إلكترونية.
وما أن تهب أول رياح الخلاف أو سوء الفهم، حتى تنتهي القصة بكبسة زر: “تم الحظر”. لا اعتذار، لا تفسير، فقط نهاية افتراضية لعاطفة لم تولد كاملة.
لقد صار الحب مجرد تفاعل، والتودد مجرّد “لايك”، وصدق المشاعر يُختصر في رمز تعبيري لا يتجاوز نبضة إصبع. أين ذلك الزمن الذي كانت فيه العيون وحدها تروي ما تعجز عنه الألسن؟ أين ذاك اللهف الذي لا يعرفه سوى من طرق قلبه صادق الشعور، لا من تصفح حسابات ورأى زيف الألوان؟
في ظل هذا الزخم الرقمي، تعبت الأرواح من التمثيل، من وضع الأقنعة، من حب يُبنى في السر ويُهدم في العلن. بتنا نكتب مشاعرنا للغرباء خلف الشاشات، ونعجز عن البوح بها لمن نراهم أمامنا. صار التواصل أسهل، لكن القلوب أبعد.
وما بين متابعة وحظر، تضيع حكايات لم تبدأ، وقلوب لم تفهم، وأرواح ما زالت تنتظر دفء اللقاء الحقيقي. تاهت معاني الوفاء في زحمة الرسائل، وتبخرت لحظات الانتظار في ظل إشعار “تمت القراءة”.
والأخطر من ذلك، أن أبناءنا وأجيال المستقبل باتوا يعيشون واقعا افتراضيا أكثر من الحقيقي. إن لم نُعلِّمهم كيف يفرقون بين الصدق والزيف، وبين العمق والسطح، فلن تكون خسائرهم عاطفية فقط، بل نفسية واجتماعية كذلك.
علينا أن نعيد قلوبنا إلى فطرتها، إلى اللمسة التي لا تُترجم بلغة البرمجيات، إلى النظرة التي لا تُحفظ في ذاكرة الهاتف، بل في ذاكرة القلب.
ما نحتاجه اليوم هو إعادة النظر في الطريقة التي نتعامل بها مع هذه الوسائل. لقد تسللت إلى تفاصيل حياتنا، سلبتنا دفء الحضور، وخدّرت مشاعرنا حتى صرنا نتنفس من خلف الشاشات.
ما نحتاجه هو صدق يعود، دفء يُستعاد، وأمان لا يُهدد بـ”الحظر”. نحتاج حبًا يعرف كيف يبدأ، لكنه لا يعرف كيف ينتهي. نحتاج بشرًا لا يتنكرون عند أول زلة، بل يبقون لأنهم اختاروا البقاء، لا المتابعة العابرة.
فلنعد للحب قيمته، وللصلة معناها، وللنقاء مكانه. فليس كل إعجاب حب، ولا كل تواصل قرب، ولا كل متابعة حياة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى