مقالات

وَفَعَلۡتَ فَعۡلَتَكَ ٱلَّتِی فَعَلۡتَ

صالح بن سعيد الحمداني

في حياتنا اليومية تمر بنا مواقف كثيرة، بعضها يبدو بسيطاً وعابراً، لكنه في الحقيقة يترك أثراً عميقاً في قلوب الآخرين، ومن الآيات القرآنية التي تحمل في طياتها دلالات عميقة وكلمات تضع في النفس الراحة والسكينة وأخرى للتأمل وأخرى للعظة، وردت في سورة الشعراء الآية 19 في قصة نبي الله موسى عليه السلام، وقد جاءت في سياق حديث فرعون مع موسى، مذكّراً إياه بحدثٍ وقع في الماضي يقول تعالى { وَفَعَلۡتَ فَعۡلَتَكَ ٱلَّتِی فَعَلۡتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلۡكَـٰفِرِینَ ١٩ } سُورَةُ الشُّعَرَاءِ، المتأمل في هذه الآية يمكن أن يجد فيها معنى أوسع يتجاوز سياقها التاريخي، بل معاني جميلة وجليلة تحمله لبُعد جوهري، فبعيدًا عن سياق الحدث الذي تتحدث عنه الآية يمكن ان نجعل في سياق معنى “وَفَعَلۡتَ فَعۡلَتَكَ ٱلَّتِی فَعَلۡتَ” ليصبح لنا تذكيراً بكل فعلٍ يترك أثراً في حياة الآخرين، فإن الإنسان في هذه الحياة يصنع بصمته من خلال أفعاله، قد تكون تلك الأفعال صغيرة في نظر صاحبها ولكنها كبيرة في أثرها عند من يتلقاها، وهنا يمكن أن نقرأ العبارة بمعنى إيجابي ملهم “فعلت فعلتك التي فعلت” حين أدخلت السرور إلى قلب إنسان، أو حين مددت يد العون لشخصٍ احتاج إلى كلمة طيبة قبل أن يحتاج إلى مساعدة.

كم من إنسان تغير يومه بالكامل بسبب ابتسامة صادقة! ربما مرّ عليك شخص مثقل بالهموم، فبادلته بابتسامة صادقة أو بكلمة لطيفة، قد لا تعلم حينها ماذا فعلت، لكنك بالفعل فعلت فعلتك التي فعلت؛ فقد خففت عن قلبه شيئًا من ثقل الحياة، وربما أعطيته دفعة أمل ليستمر في يومه بإيجابية، وفي موقف آخر قد تكون فعلت فعلتك التي فعلت حين كتبت رسالة قصيرة لصديق قديم تطمئن عليه، رسالة بسيطة قد تبدو عادية، لكنها بالنسبة له قد تكون دليلاً على أن هناك من يتذكره ويهتم لأمره، فأحياناً تكون الكلمات الطيبة أعظم من الهدايا، لأنها تصل مباشرة إلى القلب وتزرع فيه شعوراً بالاهتمام والتقدير.

ولعل من أعظم الأفعال التي يمكن أن يقال عنها “فعلت فعلتك التي فعلت” ذلك الجهد الذي يبذله الإنسان للإصلاح بين الناس، فالصلح بين شخصين متخاصمين ليس مجرد عمل عابر، إنما هو بناء لجسرٍ من المودة بعد أن كاد الانقطاع أن يطول، عندما يتدخل شخص بحكمة وكلمة طيبة ليعيد الوئام بين صديقين أو بين قريبين، فإنه في الحقيقة يغيّر مسار حياتهما، وربما بعد سنوات طويلة يتذكران ذلك الموقف ويقولان في امتنان “لقد فعلت فعلتك التي فعلت” يوم جمعت بيننا من جديد.

وفي مجالات الحياة المختلفة تتكرر هذه الأفعال الجميلة، قد يكون المعلم الذي يشجع طالباً متعثراً قد فعل فعلته التي فعلت حين زرع فيه الثقة بقدراته، فغيّر مستقبله بالكامل، وقد يكون الأب الذي احتضن ابنه في لحظة ضعف قد فعل فعلته التي فعلت حين منحه الأمان الذي يحتاجه لينطلق بثبات في حياته، كما أن العمل التطوعي والخيري يحمل في طياته الكثير من هذه اللحظات فحين يساهم إنسان في مساعدة أسرة محتاجة، أو يشارك في مبادرة لخدمة المجتمع، فإنه ربما لا يدرك حجم الأثر الذي يصنعه، لكن الأيام كفيلة بأن تكشف أن تلك الخطوة الصغيرة كانت بداية لتغيير كبير في حياة الآخرين، وهنا يمكن أن يقال له بكل تقدير نعم “لقد فعلت فعلتك التي فعلت”، إن أجمل ما في هذا المعنى إنه يُذكّر الإنسان بأن أفعاله لا تضيع، فكل كلمة طيبة وكل موقف نبيل، وكل يدٍ ممدودة بالعون، تترك أثراً باقياً في ذاكرة الناس، قد لا يسمع الإنسان الشكر في حينه، وقد لا يعرف حتى من تأثر بفعله، لكن الأثر يبقى حاضراً في القلوب، ومن هنا يصبح السؤال الذي ينبغي لكل واحد منا أن يطرحه على نفسه “ما هي الأفعال التي نريد أن نتذكر بها؟ هل ستكون أفعالاً عابرة لا تترك أثراً، أم ستكون مواقف مضيئة يتذكرها الناس بالخير؟”

إن الحياة تمنحنا في كل يوم فرصة جديدة لنصنع أثراً جميلاً، فرصة لنقول كلمة طيبة، أو لنواسي مهموماً، أو لنصلح بين متخاصمين، أو لنساعد من يحتاج إلى يدٍ تمتد نحوه، وكلما فعلنا ذلك نكون قد كتبنا سطراً جديداً في سجل الأفعال النبيلة، وفي النهاية قد يأتي يوم يلتفت فيه أحدهم إلينا بامتنان ويقول “لقد فعلت فعلتك التي فعلت يوم وقفت إلى جانبي، أو يوم شجعتني، أو يوم منحتني أملاً كنت أبحث عنه”، وحينها ندرك أن أبسط الأفعال قد تكون أعظمها أثراً، فلنجعل أفعالنا رسائل خير ولنجعل حضورنا في حياة الآخرين سبباً للطمأنينة والفرح، فربما كلمة أو موقف صغير اليوم، يصبح غداً قصة يرويها الناس عن أثر جميل تركه إنسان في حياتهم، وهكذا تبقى الأفعال الطيبة شاهداً على أصحابها، ودليلاً على أن الخير مهما كان بسيطاً قادر على أن يصنع فرقاً كبيراً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى