
رحل الهادئُ كنسيم “الواسط”، الأصيلُ كعراقة “سناو”، والفريدُ كسرِّ صنعته التي طافت الآفاق. غاب عن دنيانا ذلك الإنسان الذي لم يمرَّ في الحياة مروراً عابراً، بل نقش اسمه على جدران الذاكرة العمانية بثلاثة أقلام: قلم الشعر الرصين، وقلم الطموح الاقتصادي، وقلم الوفاء للموروث.
تبدو اليوم قرية “الواسط” في ولاية سناو حزينة، لفقد محمد بن سعيد المحروقي رحمه الله تعالى وابنه، وكأن نخلها يحني رؤوسه وداعاً لابنها البار ونجله الشاب. من هذه الأرض استمد الفقيد صلابته، وفي بيوتها تعلم أن التجارة “أمانة وذوق”. لم تغره الأضواء ليتنكر لجذوره، بل ظل قلبه معلقاً بسناو، يرى فيها المبتدأ والمنتهى، ويرى في أهلها السند والعزوة.
حين نتحدث عن “حلوى الشهرة”، فأننا أمام”هوية” صاغها الفقيد بصبرٍ وأناة. لقد كان يمتلك حساً فريداً، فكما كان يزن بيت الشعر بميزان الذهب، كان يزن مقادير الحلوى بميزان القلب. منح “الشهرة” مذاقاً خاصاً لا يخطؤه لسان؛ مذاق يجمع بين عبق الماضي وتجدد الحاضر، حتى صار اسم “الشهرة” رديفاً للجودة العمانية التي تُقدم للضيف بابتسامة واعتزاز. لقد رحل الصانع، لكن مذاق يده سيبقى في كل “مرجل” حلوى، وفي كل مجلسٍ يُكرم فيه الضيف بإنتاجه.
فارس الميادين ورفيق الإبل
لم تكن حياة الفقيد محصورة بين جدران المصانع أو دفتي الكتاب، بل كان ابناً للبادية والسباق. في ميادين “الهجن”، كان صوته يرتفع مع هتافات الفوز، وكان طموحه لا يرضى إلا بالمنصات. عشق الإبل عشقاً نابعاً من أصالةٍ متجذرة، فرعاها حق الرعاية، وحصد بها المراكز المتقدمة، ليرسم صورة متكاملة للرجل العماني الذي ينجح في “السوق” بقدر نجاحه في “الميدان” وبراعته في “المجلس”.
أما شعره، فقد كان كشخصه؛ وقوراً، حكيماً، قال الشعر ليوثق مشاعره وحبه لوطنه وتراثه. واليوم، تقف القصائد يتيمة، تفتقد ذلك الحس المرهف الذي كان يحول الموقف العابر إلى بيتٍ من الحكمة يُتداول بين الناس.
وداعاً يا صاحب القلب النقي، يا من أذقتنا حلاوة الأدب وحلاوة الصنعة. ستفتقدك منصات التتويج في سباقات الهجن، وستفتقدك “سناو” في كل صباح، وسيشتاق إليك رواد “الشهرة” الذين اعتادوا أن يجدوا في نتاجك طعم الإخلاص.
عزاؤنا أنك تركت “شهرةً” لا تنطفئ، وذكراً لا يغيب، وأبناءً يحملون الراية من بعدك على ذات النهج والأصالة.
دعاؤنا “اللهم اغسله بالماء والثلج والبرد، ونقّه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأنزله منازل الصديقين والشهداء”.



