الثقافي

العلاقات الإنسانية بين دفء المودة وبرودة الغدر

صالح بن سعيد الحمداني

إن الروابط الاجتماعية والقيم السامية التي تشكل دائمًا جسرًا متينًا في المجتمع الواحد بين البشر الذين يعيشون فيه وتحكمه العادات والتقاليد بشكل متلاحم ومتناسق ووفق مبادئ ومفاهيم مشتركة بينهم تمثل علاقات إنسانية مبنية بأسس قوية حقيقية راسخة بالمودة والمحبة والاحترام المتبادل دعائمها النقاء وصفاء النية وروح التعاون والإخلاص، تكون فيه الأر كالبنيان المرصوص نسيجًا مجتمعيًا يملؤه الحب والسلام، أسر اجتماعية مترابطة يسُودها الوئام وتتجسد فيها المعاني النبيلة في تعاملاتنا اليومية.

لكن هل يمكن للحياة أن تمضي دون منغصات أو تحديات؟ هل يمكن أن نسير وسط الحقول المزدانة بالورود دون أن نصادف أشواكًا تجرحنا؟ الواقع يقول غير ذلك. فمهما انتشرت رائحة الأخاء والمحبة، ومهما غمرت حياتنا القيم النبيلة، يبقى هناك احتمال أن نصادف مواقف تُصيبنا في مقتل، سواء بسهم غدر، أو بتصرف جارح، أو بكلمة طائشة تنفذ إلى القلب فتترك فيه أثرًا عميقًا.

قد يكون الجرح أشد ألمًا حين يأتي من شخص كنا نراه في منزلة الابن أو البنت أو بمنزلة أخ أو أخت كنا نعتبرهم سندًا لا يخذل، أو من صديق قديم رافقنا في مسيرة العمر أوالدراسة أوالعمل، كم هو موجع أن تكتشف فجأة أن ما كنت تظنه علاقة صادقة لم يكن إلا مصلحة شخصية، وأن ما حسبته بنيانًا متينًا كان أوهن من بيت العنكبوت.

ومع ذلك لا ينبغي أن نصاب بالصدمة أو نستسلم للحسرة على الخير الذي قدمناه فالعطاء والطيبة جزء من فطرتنا النقية التي جُبلنا عليها وشخصياتنا التي تربت على حب الخير ونشر السلام.

نعم قد نصاب بالألم من هنا وهناك لكننا سرعان ما نتجاوز ذلك لأننا أصحاب قلوب عامرة بالخير والإحسان نؤمن أن العطاء قيمة بحد ذاته لا ينتظر مقابلاً.

الحياة مليئة بالأمثلة؛ فقد تجد ابنًا يتنكر لوالديه أو أخًا أو أختًا يطعن أشقاءه أو صديقًا وفيًا يتحول مع الزمن إلى مجرد صديق مصلحة وربما رجلًا كان يفترض به أن يكون عصاميًا فإذا به يصبح انتهازيًا يتسلق على أكتاف الآخرين، أو شخصًا رأيت فيه الوفاء والحب والقُرب ولكن وجدته نهرًا من حب الذات والغدر والكذب والنفاق، لكن هذه النماذج ليست هي القاعدة بل هي الاستثناء الذي لا يخلو منه أي مجتمع، فليس كل من نلقاه يحمل الطيبة والمروءة والأخلاق الحميدة كما أن وجود الشواذ في أي مجتمع أمر حتمي منذ بداية الحياة البشرية وحتى قيام الساعة.

تبقى القلوب النقية موجودة رغم كل ما قد يحيط بها من غبار الغدر أو غيوم الحقد فنحن البشر خُلقنا لهدف سامٍ وهو أن نكون خلفاء الله في الأرض نعبده ونقيم العدل وننشر الخير قال الله تعالى ( وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِیَعۡبُدُونِ ) [سُورَةُ الذَّارِيَاتِ: ٥٦]، ورغم ذلك سيظل بيننا من يخرج عن الفطرة السليمة التي فُطرنا عليها ويختار طريق الأذى والأنانية، فمنذ ذلك الزمن البعيد ومنذ قصة قابيل وهابيل نجد الصراع بين الخير والشر دائم وسيظل كذلك لقيام الساعة وبينما يظل الذهب الأصيل محتفظًا بقيمته لا يغيره الزمان ولا تقلبات الأيام.

لذلك لا ينبغي أن ننكسر إذا واجهنا مواقف مخيبة للآمال ولا أن نفقد إيماننا بالخير بسبب الإساءت، فليس كل ابن أو بنت بارًا بوالديه وليس كل أخ أو أخت وفياً لإخوته وليس كل صديق أو صديقة مستعدًا للتضحية في وقت الحاجة، هناك من يبني مجده الشخصي على حساب الآخرين مستندًا إلى حب الذات دون أي استعداد للعطاء.

وقبل الختام نسأل الله أن يحفظ قلوبنا من الحقد والحسد وأن يبعد عنا أهل الضغينة والشر وأن يجمعنا دائمًا بأهل الخير والمحبة والوئام وأن يجعلنا هُداة مهتدين نمد جسور العطاء دون انتظار مقابل وننشر السلام في عالم أحوج ما يكون إليه اليوم، فالخير باقٍ ما بقيت الحياة والطيبة لن تنقرض مهما كثرت قسوة القلوب.

في نهاية المطاف ستبقى العلاقات الإنسانية ميدانًا تتصارع فيه القيم النبيلة مع الأطماع الشخصية، قد يخذلك الأقربون وقد يطعنك من كنت تظنه سندك واعتبرته الابن والصديق والأخ، لكن هذا لا يعني أن الخير قد انطفأ أو أن الطيبة قد تلاشت، فكما أن الشمس تشرق بعد كل ليل حالك تبقى هناك قلوب بيضاء تنبض بالوفاء ووجوه مضيئة لا تعرف الغدر، علينا أن نتمسك بهم ونمضي معهم في دروب الحياة تاركين خلفنا من باعوا المودة بثمن بخس، واستبدلوا الوفاء بالمال والاخلاص بالقيل والقال، فالمجتمعات لا تُبنى إلا بالحب ولا تزدهر إلا بالسلام ولا تُخلّد إلا بوفاء أهلها لبعضهم البعض.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى