وسائل التواصل الاجتماعي .. التوازن بين حق المعرفة والمسؤولية المهنية
د. إبراهيم بن محمد العامري

مع الطفرة المعرفية التي يعيشها العالم في ظل تعدد مسميات وسائل التواصل الاجتماعي وما نشهده اليوم من تدفق إعلامي كما وكيفا والذي أصبحت معه هذه الوسائل تلعب دورا متزايدا وعنصرا مؤثرا في تشكيل الرأي العام في صورة غير نمطية يطلق عليها اصطلاحا بالإعلام الرقمي الذي أسس لمنظومة جديدة يسهل معها الوصول للمعلومة بكل يسر وسهولة، الأمر الذي أجبر الاعلام التقليدي بكل وسائله إلى إعادة تشكيل دوره ومسؤوليته الرسمية والمجتمعية لمواكبة هذه المتغيرات والخروج من نطاق احتكار المعلومة والتقليل من هيمنتة على سياسة النشر ومضمون المادة الإعلامية التي لابد أن تتوافق مع مواد قانون الإعلام التي تتطلب موافقة الجهات الحكومية والخاصة ذات العلاقة بمادة النشر، مما أضعف دوره وفتح أفاقا جديدة للصحافة الاستقصائية الرقمية وخاصة منها وسائل التواصل الاجتماعي التي نجحت إلى حد ما للوصول إلى ما وراء الخبر خاصة ما يتعلق بالأخبار المحلية والاقتصادية وحتى السياسية ومنها على سبيل المثال يمس علاقة المجتمع بالعديد من المؤسسات وبيان جوانب النجاح والقصور ومحاولة الغوص في أعماق وتفاصيل والتحديات أو الإخفاقات التي واجهت هذه الجهات خلال تنفيذها لعدد من المشاريع وخاصة منها الاستراتيجية والوطنية .
وكذلك ما أصدرته من قرارات وإجراءات تمس مستقبل الوطن وحياة المواطن، إن ظهور هذا التيار المعرفي الجديد الذي شكل تحولا في مبدأ قبول ما ينشر من عدمه وقدرته على التشكيك في مصداقية وشفافية ما ينشر من قبل بعض مؤسسات الاعلام الرسمية وتأخرها في توقيت النشر ومحاولتها لحجب ما لا يروق نشره، برزت مجموعة من التحديات لمواجهة هذا التحول وتعدد مصادر المعلومات التي استطاع الرأي العام أن يبحث عنها كبديل معلوماتي جديد يشفي شغفه للوصول إلى حقيقة ما يدور داخل الكواليس من خلال وسائل التواصل بتعدد مسمياتها ليقدم تفسيرا وتحليلا لبعض التصريحات ومدى التناقض مع ما هو منشور في وسائل الاعلام التقليدي.
وبهذه البدائل الجديدة أضحى الكل لديه القدرة لمعرفة التفاصيل بكل سهولة ويسر بعد أن تحول الفضاء الالكتروني إلى فضاء رقمي وأداة داعمة للإعلام الحر والناقد المسؤول الذي يخدم حق الجمهور في المعرفة، وهذا بحق ما تقوم في عصرنا الحاضر وسائل التواصل الاجتماعي التي قلّصت دور الإعلام المؤسسي بحيث أصبحت التسريبات وكمية المعلومات التي تصل إليها هذه الوسائل تنتشر مباشرة بين الجمهور المتلقي دون المرور بالرقيب الرسمي الذي لايزال يحاول جاهدا الحد من التداعيات التي فرضها عصر الشبكة العنكبوتية.
فرغم ما شهده عالم الاعلام من مستجدات صدور القوانين والقرارات الرسمية ومنها قانون تنظيم الاتصالات وقانون الاعلام إلا أن محاولة الحد من قوة تأثير وإنتشار ومدى القبول على متابعة ما ينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي أصبح تحديا كون هذا التحول المعرفي استطاع المتلقي في كثير من الأحيان أن يتحرر من عباءة الخبر التقليدي إلى مفسر للأخبار ومحللا لتفاصيل وبنود القرارات إلى درجة نقد بعضها بفضل ما يصل إليه من معلومات من مصادر خاصة أو التسريبات يستخدم مرسلها هذا الفضاء المفتوح ليصل بمعلومته في خلال ثواني إلى كل الوسائط المستهدفة.
لقد استطاعت وسائل التواصل الاجتماعي بوسائلها السمعية والبصرية والمكتوبة أن تحدث تحولًا في منظومة تداول المعلومة، وأعادت صياغة العلاقة بين الإعلام والجمهور ومصادر السلطة ولم تعد الصحافة المكتوبة هي المؤثر الوحيد في نقل ما يدور داخل كواليس مواقع صنع القرار، بل باتت المنصات الرقمية المفتوحة تشارك بعض هذه الجهات في كشف ما يدور من انطباعات ورواجع يتفاعل معها الجمهور المستهدف وبناء دراسة الرأي العام أصبح يعتمد في قياس النجاح أو الفشل بفضل هذه الوسائط للوصول إلى النتائج المتوخاة من استمرار أو تعديل أو إلغاء بعض القرارات.
ورغم ما أسهمت به وسائل التواصل الاجتماعي لتقويض الاحتكار التقليدي للمعلومة ما قبل الثورة المعلوماتية وما أتاحه الفضاء الرقمي من تغير في موازين التأثير الإعلامي لصالح هذا التحول غير أن هذا الانفتاح لم يكن دائمًا إيجابيا بالمطلق أو متوازنًا في نقل وتفسير الحقائق نظرا لوجود بعض العيوب وما يشوبها من سلبيات تخرجها من مهنيتها وسياقها المعرفي الكامل لكون بعضها موجها لصالح دول وحكومات وأفراد، وبالتالي عجزها وعدم قدرتها لتفسير الواقع تفسيرا دقيقًا يضمن درجة المصداقية وتحري المهنية الاستقصائية في أحيان بعيدا عن ارتباطها بمصادر مشبوهة.
كما أن وسائل التواصل الاجتماعي رغم ما تؤديه من دور معرفي وتنويري لكن الامر لا يخلو من سلبيات لبعض هذه المحتويات الإعلامية المضللة التي تحاول النيل من بعض الجهات أو الأشخاص عندما تحولهم كأدوات ضغط وفق أجندات توظف لتوجيه الرأي العام والغرض من ذلك تبني مواقف سلبية ضد بعض ذوي القرار ومحاولة النيل من السمعة والنزاهة وافتعال القضايا التي تمس بمستقبل وحياة الجمهور حتى في حياته الخاصة لتكون مادة دسمة لزيادة السخط وخاصة من قبل فئات الانتفاع بالخدمات أو الرعاية التي تقدمها تلك المؤسسات والدوائر وخاصة منها الخدمية وهو ما يفرغ هذه الاخبار والتسريبات والرسائل من محتواها ومن أهدافها وقيمتها الإصلاحية.
وقد يدفع الوضع صاحب القرار إلى تبني قرارات آنية ومعالجات لاحتوى تلك المواقف والحد من تأثيرها على هيبة وقوة السلطة وبالتالي تنعكس سلبا على حساب التخطيط الاستراتيجي والدراسة المتأنية ما يخلق وعيًا عامًا قائمًا على الانطباع والمواقف الشخصية لا على المعرفة المنهجية والدراسة الميدانية، وهو ما سوف يحدّ من فعالية المساءلة المجتمعية التي تسعى دائما للوصول إلى الشفافية الكاملة ولا تقبل أنصاف الحقائق.
وهنا يمكننا القول أن وسائل التواصل الاجتماعي رغم وجود في فضاءات يشوبها التناقض والشبهة في تبني أهدافها غير المعلنة وتبتعد عن أدوارها وقوة وجدية مصداقيتها، في المقابل إلا يبقى دورها الإيجابي حاضرا ومهما لكشف كواليس ما يدور في أروقة القرار للوصول إلى المعلومة، بعد أن أصبحت تمثل أداة فعالة لتعزيز الشفافية وكسر الصمت المؤسسي في فضاء غزير الانتاج يشبع نهم وشغف الباحث عن الحقيقة الذي ينشد تعزيز وعي مجتمعي نقدي، وليست مجرد ضجيج وفوضى إعلامية غير مسؤولة لا تخدم الصالح العام، بما يعول على هذه الوسائل باختلاف مسمياتها لتؤدي رسالتها في أطر أخلاقية ومهنية تحكم علاقتها بالمؤسسات الحكومية والخاصة ما يعزز مصداقيتها أمام المجتمع وتنسجم رسالتها وأهدافها مع منظومة التكامل بعيدا عن تصدير المعرفة المشوّهة التي تربك الرأي العام وعمل ومسؤوليات مختلف القطاعات والمؤسسات الحكومية والخاصة.



