مقالات

وداعا مطرح .. حكاية لم تكتمل

في رحيل الاذاعي محمود عبيد الحسني

رحل المحب العاشق الإذاعي , ذو الصوت الهامس , دون ان يكحل ناظريه بمنظر مدينته العتيقة المتجذرة على ضفاف بحر عمان , ومن غير ان يكمل كتابة المشهد الأخير للحكاية , راحلا في هدوء و صمت و بوصلة القلب لم تغادر سماء محبوبته. مطرح التي لطالما ظل هائما بترابها , متشبثا بتلابيب روحها الوثابة , وبعبق تاريخها , ومحبه اهلها من ارجاء الوطن و تغنى بها في احاديثه : “مطرح تمثلني وتمثل حبي الابدي” كيف لا و هو من كان يوما جنين ترابها وفطيم غمامها حتى ساعة رحيله من دار الفناء إلى دار الخلود.

خمسون ربيعا ونيف وهو يسكب شغفها في وعاء قلبه , ويودع أحلامها وألامها بين ماء عينيه ومسارب روحه , ماضيا في سرد ما علق في الذاكرة من حكايا الزمن الجميل على القاصدين والمحبين , منعطفا على زوايا حاراتها باحثا عن أرواح الراحلين الوادعين من أهلها. مسبرا اغوار مكنونات تراثها الاسر , مميطا اللثام عن ملامح ازقتها الغابرة في عمق الوجود الإنساني .

كتاب و مهتمون بالثقافة العمانية , مدفوعين بالدهشة و الشغف , وثقوا في مقالاتهم تاريخ هذه المدينة العريقة. وتوغلوا بصهيل أقلامهم في عمق جمالياتها: يومياتٍ و مواقف و شخوص. جاعلين من هذه الايقونة البهية و ضواحيها متحفا مفتوحا ومزارا للقاصدين. لكن هذا الوفي المحب الذي ظل يطارح مطرح و يبادلها حبا بحب , صاحب الصوت الإذاعي الندي كان الأكثر قربا و تعلقا بها , إذ لم يكن منتهى همه و هو ينثر عبق الذكريات من مندوسه ,التوثيق و إستدعاء التاريخ فحسب , بل كان اعمق من ذلك بمدى يفوق الحكايا, اذ كان يتطلع الى ان تبعث مطرح بروح جديدة , حضارة وانسانا. وان تحظى بالمكانة التي تستحق بين أمهات المدائن , وكان لا يخفي قلقه العميق من تاثير المتغيرات الديموغرافية و الإجتماعية على حركة و حياة ولاية مطرح وتوأمها مسقط , و التي بدـأت في التشكل و الظهور مع هجرة السكان للحواضر والمدن الحديثة. كان جل تفكيره ان تعود روح مطرح والضواحي الى سابق بهاءها قبلة للقاصدين وبوابة عبور وشعلة لا تنطفأ , وان تظل في صلب معادلة الاصالة والمعاصرة.

لم تكن مطرح وضواحيها تشكل في قلبه ووجدانه لوحة لجبال صماء قاتمة او ملامح لوجوه تخترق الازقة او حتى حوانيت و حارات لبسطاء من شتى المنابت والأصول يجمعهم تواصل مجتمعي و روحي. كما لم يخلق ضفاف بحرها السماوي ليكون مؤىلا للمتسامرين, ولا منحدرات جبالها ارجوحة للأطفال. بل ترسخت مكانتها على الدوام في باصرته وبصيرته بوابة لعمان نحو المحيط , وحبلها السري مع بقية دول العالم , مطرح بقلاعها الشماء رمز الصمود والمقاومة , وجغرافيتها وتاريخها هي اختزال لتاريخ هذا البلد برمته , وديباجة لحاضره ومستقبله , وهي بمكوناتها وممكناتها الراهنة والمقبلة كفيلة ان تعيد لروحها البهاء , وإلى شواطئها طيور النورس المهاجرة.

رحل الحارس الأمين والأخير لبوابة مطرح , وترجل عن قلعة الميراني حاميها. دون ان يتحفنا من جعبته بجميل الحكايا. رحل عنها والدمع لا يكفكف , يهمي من شواطئها ومساربها , والسواد يوشح أسواقها و ألم الفقد يضج من حاراتها التي لم تعرف لرداء الحزن وشاحا.

رحل من عكف ينعش بكل حب ووعي ذاكرتنا الشفويه يسردياته الجمالية , ونبراته الهامسة بمباهج الامل , لتظل مطرح وضواحبها شعلة متوقدة من الحب والوئام فهي بحق “مدينة الحكايا الجميلة “.

أبا صهيب, رحمة من الله و غفرانه تغشاك فقد كنت حقا و دوما صوت الناس , و مشعل الذاكرة الذي سيظل متوقدا في أروقة و مجالس (المطرحيون) و في وعي كل من وطأت قدماه هذه المدينة البهية.

ساجد رمضان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى