
في خضمّ اللهاث اليومي وراء الأمنيات والأحلام الكبيرة ننسى أحياناً أن ما نملكه اليوم هو حلم يتمنى آخرون الوصول إليه، حياتك التي تراها عادية وربما مملة أحياناً، هي غاية يتمناها شخص في مكان ما على هذه الأرض، بيتك الدافئ، عائلتك التي تحيطك بالمحبة، صحتك التي تمكّنك من السعي، وحتى لقمة العيش التي تصل إلى مائدتك كل يوم كلها نعم عظيمة قد يغفل الإنسان عن شكرها وهو يركض وراء المزيد، كم من شخص فقد عافيته ويتمنى أن يعود به الزمن ليعيش حياة بسيطة بلا ألم! وكم من إنسان فقد أحبّته ويتمنى لحظة واحدة معهم ولو في بيت متواضع! وكم من فقير يتمنى فرصة عمل أو باب رزق يسير يحقق به كرامته! نحن في زحمة التطلعات ننسى أن ما نراه عادياً قد يكون عند غيرنا قمّة الأحلام وأن القناعة بما لدينا هي أول طريق السعادة.
الحمد لله… هذه الكلمة العظيمة تُنقذ القلوب، فحين يتوقف الإنسان للحظة ليتأمل تفاصيل حياته ويستحضر نعم الله عليه، يجد في قلبه طمأنينة وسلاماً داخلياً لا يقدّر بثمن، كلمة “الحمد لله” ليست مجرد عبارة تتردد على اللسان وإنما هي إحساس عميق بالامتنان واعتراف بأننا مهما سعينا وراء المزيد فهناك أساسيات في حياتنا تستحق الشكر في كل لحظة.
فالامتنان لا يعني أن نتخلى عن أحلامنا أو نتوقف عن الطموح لكنه يجعلنا نعيش بوعي أكبر ونقدّر النعم التي بين أيدينا قبل أن نفقدها، كما قال أحد الحكماء “من لم يشكر القليل لن يشكر الكثير”، لذلك علينا أن نعتاد النظر إلى ما لدينا لا إلى ما ينقصنا لأن التركيز على النقص يزرع الحزن بينما الامتنان يفتح أبواب الرضا والسعادة، ومن أجمل ما يميز القلوب النقية قدرتها على التسامح، فنحن لا نسامح الآخرين لأننا ضعفاء أو عاجزون عن المواجهة ولكن لأن ضمائرنا ما زالت تنبض بالوفاء، ولأن قلوبنا تدرك أن الكراهية عبء ثقيل يحرمنا من راحة البال.
التسامح يعني أن نُحرّر أنفسنا قبل أن نحرّر الآخرين من أخطائهم وأن نُطفئ نيران الغضب داخلنا قبل أن نحاول إطفاءها في قلوب غيرنا، هو قرار نابع من قوة داخلية لا من ضعف خارجي، نحن نتسامح لأننا نُدرك أن كل إنسان معرض للخطأ وأن القلوب مثل الزهور تحتاج إلى العناية والاهتمام لتظل قادرة على العطاء والحياة، فالقلوب كالورد… تحتاج رعاية تماماً كما تحتاج الأزهار إلى الماء والضوء والرعاية لتنمو وتزهر، تحتاج قلوبنا إلى المحبة والاهتمام لتظل نابضة بالخير، القلب الذي يُهمل طويلاً يذبل مثل الزهرة العطشى أما القلب الذي نروي جذوره بالتسامح والود والرحمة فيثمر عطاءً وصفاءً وسعادة لا تنتهي.
لكن رعاية القلوب تبدأ من الداخل من تطهيرها من الغلّ والحسد والضغينة، يبدأ الأمر بقرار واعٍ أن نحبّ الخير لأنفسنا ولغيرنا وأن نرى الحياة بعيون نقية وأن نفهم أن قلوبنا مثل المرايا، إن تراكم عليها الغبار عكست صوراً مشوّهة،أما إذا صفَتْ أظهرت أجمل ما فينا.
لا شك أن الطموح حق مشروع وهو الدافع وراء التقدم والنجاح، لكن المعضلة تبدأ حين يتحول الطموح إلى جشع وحين نُسخّر حياتنا كلها للسعي وراء ما لا ينتهي فنفقد القدرة على الاستمتاع بما بين أيدينا، فالتوازن بين الرضا والطموح هو ما يجعل الإنسان يعيش حياة صحية على المستوى النفسي والروحي وأن نحلم بالمزيد، لكننا في الوقت نفسه نقول “الحمد لله” على ما تحقق بالفعل، وأن نسعى نحو المستقبل دون أن نغفل عن شكر الحاضر لأن السعادة الحقيقية لا تأتي من تحقيق كل ما نريد، لكنها تأتي من تقدير ما لدينا قبل فوات الأوان.
في نهاية المطاف نقول حياتك التي تراها عادية هي حلم يتمنى آخرون عيشه فلا تنسَ شكر الله على ما تملك، وسامح من أساء إليك لا ضعفاً وإنما رحمة بنفسك قبل غيرك، واعتنِ بقلبك كما تعتني بزهرة في حديقة تُسقيها بالحب والوفاء والرحمة، فالقلب النقي هو أثمن ما يمكن أن يحمله الإنسان في رحلته القصيرة على هذه الأرض، وما أجمل أن نغادرها وقلوبنا عامرة بالمحبة والسلام.



