مقالات

نوفمبر نبض الوطن وروح النهضة

صالح بن سعيد الحمداني

نوفمبر… شهرٌ يتقدّم نحو سلطنة عُمان كنسيمٍ يهبّ على الجبال والسهول، يحمل معه ذاكرة وطنٍ تشكّل عبر العقود، ليس مجرد موعدٍ في تقويم السنة؛ إنه موسم تستيقظ فيه مشاعر الانتماء، وتعود من خلاله الحكايات التي كتبها العمانيون بإرادتهم وعملهم، من الجنوب حيث رائحة اللبان، إلى الشمال حيث تتعانق الجبال مع البحر، فمنذ عام 1970م اكتسب نوفمبر مكانة خاصة في الوجدان العُماني، ففي هذا الشهر بدأت ملامح نهضةٍ جديدة عندما تولى السلطان الراحل قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – قيادة البلاد فكانت تلك اللحظة بداية تحول عميق امتد أثره إلى كل بيتٍ وقرية ومدينة، حمل جلالته رؤية واضحة بناء دولة حديثة تستند إلى قيم حضارتها العريقة، وتنفتح على العالم بروح متزنة، وتمنح أبناءها الفرص ليشاركوا في مسيرة التطوير، ومع كل عام كان الثامن عشر من نوفمبر يصبح موعداً لاحتفالٍ يعبّر عن الامتنان لقائدٍ أعاد رسم ملامح الوطن، وعن الوفاء لمرحلةٍ غيّرت مسار التاريخ العماني.

تحت قيادته تحولت سلطنة عمان من صفحةٍ هادئة في كتاب المنطقة إلى دولة لها حضورها واحترامها، وبرزت فيها مشاريع عمرانية، ومؤسسات تعليمية، وبنية أساسية متقدمة، وتشكّل جيل جديد واثق بقدراته، منفتح على المستقبل دون أن يتخلى عن أصالته، وهكذا صار نوفمبر رمزاً للفخر، شهرًا تتزين فيه المدن وتصدح فيه قصائد الوطن، ويشعر فيه المواطن بأن قصة بلده لا تزال تُكتب بروحٍ واحدة، وفي فجر 11 يناير 2020م، ومع انتقال القيادة إلى حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله – بدأت مرحلة جديدة من التطوير استندت إلى إرث النهضة الأولى وتطلعت إلى آفاق أوسع، أكّد جلالته في أول خطابٍ له أن سلطنة عُمان ستمضي بثبات نحو المكانة التي تستحقها، وأن العمل سيستمر بعزيمة أكبر ورؤية أكثر وضوحاً، هذه الرسالة لم تكن مجرد إعلان وإنما كانت تجديدًا للعهد بأن الوطن سيظل في تقدم دائم، وأن مسيرة البناء لا تتوقف.

شهدت السنوات الأخيرة حضوراً أوسع لسلطنة عمان على المستويات الاقتصادية والسياسية، وتنامياً في مشاريع الاستثمار والتنويع الاقتصادي، وتركيزاً واضحاً على التحول الرقمي والاستدامة، وجاء اعتماد العشرين من نوفمبر “اليوم الوطني” ليعيد وصل التاريخ القديم بالحاضر الجديد، ويؤكد أن الدولة العمانية تمتد جذورها عبر قرون من الحكم والاستقرار، وأن نهضتها الحديثة هي امتداد لمسار تاريخي طويل، ومع إطلاق رؤية عُمان 2040 أصبحت البلاد تسير وفق منهج عملٍ متكامل يستند إلى المعرفة والابتكار، ويضع الإنسان في قلب التنمية؟ وهذه الرؤية ليست شعارات؛ إنها خطة قابلة للتنفيذ تمضي من خلالها المؤسسات نحو تحديث القوانين، وتطوير القطاعات الواعدة، وتحفيز مشاركة الشباب، وتحويل الاقتصاد إلى نموذج متنوع ومستدام، واليوم تُرى ملامح هذه الرؤية في المدن التي تتجدد، وفي المشاريع التي تتسارع، وفي الأجيال التي تنخرط أكثر في العمل الوطني.

وفي نوفمبر من كل عام تتجدد في النفوس تلك العلاقة الخاصة بين المواطن ووطنه، يطل الشهر ليذكر بأن ما تحقق لم يكن محض صدفة وإنما نتيجة جهودٍ متتابعة، وأن المستقبل يتطلب المزيد من العمل والوعي والمسؤولية، إنه موسم يوقظ في العمانيين شعوراً بأنهم جزءٌ من قصة أكبر، قصة وطن استطاع أن يحافظ على استقراره وسط عالمٍ مضطرب، وأن يقدم نموذجاً فريداً في الحكمة والتعايش، والمسؤولية اليوم باتت أكبر؛ فنهضة الأمم لا تُبنى بالقادة وحدهم، بل بسواعد أبنائها الذين يواصلون إضافة لبنة فوق أخرى، وكل عماني مدعو اليوم ليكون شريكاً في البناء، داعماً لمسيرة التحديث، حاملاً روح نوفمبر التي تعلمنا أن حب الوطن فعلٌ قبل أن يكون شعوراً.

إن نوفمبر لا يأتي ليعيد ذكرى مضت فحسب ولكنه يعزز يقيناً بأن القادم أجمل، ما دامت سلطنة عُمان ماضية بثقة، وما دام أهلها متمسكون بقيمهم، وما دام قائدها يقودها برؤيةٍ واعية،وتبقى الدعوة الصادقة تتكرر كل عام

“اللهم احفظ عُمان وأهلها، وأدم عليها الأمن والرخاء، ووفق قائدها لما فيه خير البلاد والعباد”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى