
إن كل إنسان في هذه الحياة يطمح أن يكون مميزاً، ويُذكر بين الناس، وأن يظفر بالمراتب الأولى في أي منافسة. ولكن عليه أن يدرك أن السباق والتنافس الحقيقي هو ما يكون مع النفس. ففي كل يوم يشرق صباح جديد، ليخاطب الإنسان نفسه قائلاً: إن قصدي بسعيي هذا هو التفوق والنصر على ذاتي لا على غيري.
وهناك مجالات كثيرة يستطيع المرء أن يحقق فيها هذا الانتصار. فمثلاً: الالتزام بالصلاة في وقتها؛ ليكون من الفئة التي ذكرها الله سبحانه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾. أو كأن يتغلب على التسويف في بعض الأعمال، ويسرع في إنجازها، فهذا في حد ذاته إنجاز يريح النفس من عناء التفكير وتراكم المهام. بل قد يكون النصر أيضاً أن يأخذ المرء بيد زميله إلى المرتبة التي وصل إليها من التميز.
ويستوقفني هنا موقف قرأته في قصة؛ حيث جمع أحد المسؤولين موظفيه، وطلب منهم تثبيت بالون في أقدامهم، وأن يحافظ كل واحد على بالونه. وما هي إلا دقائق حتى أخذ كل واحد يحاول إتلاف بالون غيره ليبقى بالونه وحده. وعندما انتهت “المعركة”، وقف أمامهم قائلاً: “لم أقصد هذا، وإنما أردت أن أوصل لكم فكرة: لو أن كل واحد منكم حافظ على ما عند زميله، لبقيتم جميعاً سعداء ومتعاونين”.
وقد كانت سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم نموذجاً للإنتصار على النفس؛ فهو دائماً يسعى إلى تهذيبها وتوجيهها لمنازل الخير. فبرغم إيذاء الأعداء له، ظل يربّي نفسه على الصفح والعفو والمسامحة، ويدعو أصحابه إلى ذلك، ويوجّههم إلى عدم الانصياع للنفس في كثير من المواقف، حيث قال: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».
فما أجمل الإنسان الذي يكون عوناً لنفسه بزيادة علمه ومعرفته، وعوناً لغيره بخيره ونصحه. وما أروعه من انتصار! فمن أحسن إلى نفسه وسعى لخيرها وفلاحها زاده الله توفيقاً ورفعة، كما قال سبحانه: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾.


