
يسافر بنا الكاتب السوري قتيبة طريف قصاب باشي في هذه الرواية الاجتماعية (عزير) الصادرة عن مركز الأدب العربي، والتي كُتبت بتقنية الراوي العليم. استهل فيها ذكر بعض الممارسات والمعتقدات التي تقع على عاتق الأبناء، ومنهم من ينجرف خلف الخزعبلات التي لا تُجدي نفعًا، ولا ينتج عنها سوى الأمراض النفسية وتدمير النفوس.
فكل ما تُخلّفه العادات السيئة والبيئة العكرة من مخلفات فكرية لا يورث إلا العكس أمام من يعيش ضمن هذه البيئات المختلفة.
وهذا ما سنراه من أحداث استهلّها الكاتب في بداية الرواية، حين وُلد البطل نذير في يومٍ توفيت فيه جدته، مما جعل والده يتشاءم من ميلاده، فعدّه نذير شؤمٍ على العائلة. فأسماه (نذير)، وتعذبت والدته عذابًا شديدًا بسبب قسوة الزوج.
تمضي الأحداث وتعرض لنا مآس اعترت البطل، وما زاده همًّا وفاة والدته، لأنها حملت مرارة المعاناة وصبرت من أجل فلذة كبدها، فكانت تدافع عنه حتى يوم وفاتها. فالأم دائمًا لا ترضى على قُرة عينها، ولو على حساب طاقتها.
تربّى نذير مع جده الذي كان يملك صيدلية، ورغم مرارة الحياة، درس تخصص الصيدلة ،فالحياة لا تتوقف عند حال واحد، وقد جعل إصرار نذير منه شابًا يُكمل دراسته الجامعية، ويُساند جده في العمل.
ومما اقتُبس من الرواية، حين شحذ الجدّ همة نذير بعد وفاة أمه:
(هيا بنا يا فتى، فلننسَ الألم ونذهب إلى الصيدلية. وفعلاً، قلت في نفسي: إن من شأن العمل وانشغالي بمداواة الناس أن يُخفف وطأة التفكير في ألم الفراق، ولو للحظة من الزمن).
الرواية تناقش عدة محاور، من بينها اضطهاد المسلمين في الغرب، وكيف يُلزَمون بأمور محرّمة كخلع الحجاب للمرأة وغيرها.
وقد أراد الكاتب توضيح التناقض الذي تعيشه الأديان غير المسلمة في الغرب، وكيف يُظلَم اللاجئون العرب، حيث يُحاول البعض التقليل من شأن المرأة في الإسلام، ونَسب الجُرم وانعدام المساواة إلى الرجال المسلمين، وكلها افتراءات ردّها الكاتب بسرد روائي مشوق، يكشف حقائق تدعو للفخر كمسلمين.
ومن النصوص الجميلة في الرواية، التي جاءت ردًّا على مَن يتهم الرجل المسلم بعدم مساواة المرأة، جاء قول شخصية سُلاف:
(وطبعًا، أشعر بالتميّز بيني وبين الكثير من النساء اللواتي يَعرضن أجسادهن للجميع. فالإسلام نقلنا من العام (جميع الرجال) إلى الخاص (الزوج، الوالدين، الإخوة، أبناء الإخوة، الأعمام، الأخوال)، فيما يخص الحجاب. وما عدى ذلك فهو للزوج فقط، وبهذا يجب أن نفخر نحن كنساء بشكل عام).
ومن الأحداث المثيرة التي تجعلك لا تترك الرواية حتى تنهيها في جلسة واحدة، الحدث الذي وقع في السفينة، والتي جمعت كل الأديان وأصحاب الأفكار والمعتقدات المختلفة.
وقد شدّني تصوير قبطان السفينة، الذي بسبب إلحاده بوجود الله عزّ وجلّ وتكبّره على الذات الإلهية، نال من قوة المولى عزّ وجل، ومات شرّ ميتة.
هذه السفينة جمعت الخير والشر معًا، لكن الخير دائمًا منتصر، والشر مهزوم لا محالة.
محمدالزعابي



