
ما إن ينتصف مايو وتمتد أيام يونيو، حتى تبدأ ملامح موسم الزّام في الظهور بهدوء، كأنها بشارة خفية لا يسمعها إلا من عاش مع الأرض وتربى على صبرها. أغصان الشجرة تستيقظ من سكونها، وتبدأ الثمار الصغيرة في التكوّن شيئًا فشيئًا، حتى يأتي يوليو، شهر الحصاد والفرح، فتغمر الشجرة أهلها بكرمها الوفير.
الشجرة نفسها تقف شامخة في جانب البيوت، لا تبدو عادية أبدًا، بل كأنها وافدة من غابات استوائية هندية، أوراقها الكثيفة تحكي عن عمق الجذور وقِدم الزمان. الأطفال يحومون حولها بضحكاتهم، يحاولون محاصرتها بأذرعهم الصغيرة، ومن ينجح في الإمساك بيد صاحبه من الطرف الآخر يشعر وكأنه حقق إنجازًا لا يوصف، فتعلو الضحكات البريئة ويملأ المكان فرحًا.
هناك، في أعالي الجبال، حيث يلف النسيم أغصان الزّام، ينشغل الناس بقطف الثمار، وأيادٍ ماهرة تجمعها بلطف كمن يجمع لآلئ نادرة من صدر الطبيعة. ينحدرون بها من سفوحهم العالية، وجوههم مشرقة، وقلوبهم مطمئنة، يأتون إلى الأسواق حاملين معهم ثمارهم وكأنهم يحملون بشائر الصيف ذاته.
في أسواق صور، وفي طرقاتها الضيقة، تلتقيك ألوان الزّام الداكنة، مرصوصة في صحون القفير بعناية، تلمع تحت أشعة الشمس كأنها قطع من الليل حفظت ضوءه في قلبها.
صوت الباعة يتردد بين الأزقة:
“تفضلوا الزّام… طازج من الجبال… حامض وحلو… طعم لا يشبهه شيء…”
يتوقف المارة، يتذوقون، يغمضون أعينهم للحظة، يبتسمون، وكأن الطعم أعادهم إلى طفولة بعيدة، أو ذكرى منسية بين ظلال الأشجار.
بعض الباعة يأتون من أعالي الجبال، وجوههم مشرقة بفرح الموسم، يحملون رزقهم على أكتافهم أو في مركباتهم البسيطة. لا يبيعون فاكهة فقط، بل يجلبون معهم نكهة الصيف، وذكرى الأرض، وفرحة البيت الذي انتظر الموسم عامًا كاملاً.
وفي الأسواق، ترى بعض الباعة القادمين من سفوح الجبال بفرحهم البسيط والصادق، يحملون معهم سلال الزّام الطازجة، كأنهم لا يبيعون مجرد فاكهة، بل يقدّمون جزءًا من رائحة الجبال ونسيمها العليل. يقفون مبتسمين خلف صناديقهم، يروون للزبائن قصصًا عن موسم الزّام، عن تعب قطفه في الجبال، عن كيف تجتمع العائلات في قطفه، ثم تفرح ببيعه في الأسواق.
بالنسبة لسكان الجبال، أصبح الزّام عائدًا اقتصاديًا مهمًا، يساندهم في مواسم الجفاف أو في فترات الركود الزراعي. هناك من يصنع منه مربّى منزليًا، وهناك من يبيعه طازجًا في الأسواق أو على جنبات الطرق، حيث يقف الأطفال والنساء والشباب يعرضون محصولهم في مشهد يجمع بين البساطة والعمل الجاد.
وهكذا، لم يعد الزّام مجرد فاكهة موسمية، بل أصبح قصة حياة، وعائدًا اقتصاديًا مهمًا لأهالي القرى الجبلية، موسماً يعيشون من خلاله دورة الحياة الكاملة: من غرس الجذور إلى جني الثمار إلى مشاركة الناس هذا الخير في الأسواق والساحات.
وهكذا، من مايو إلى يوليو، تعيش الأرض وناسها قصة قصيرة، تتكرر كل عام، لكنها لا تشيخ أبدًا… قصة الشجرة التي تظل واقفة، تعطي بلا انتظار، وتُبهج من يعيش في ظلها ومن يتذوق ثمرها



