الثقافي

من سفينـة نـوح إلى زنجبـار: العُمانيون ولسان الحضارة

زاهر بن سيف المسكري

منذ أن استوت سفينة نوح عليه السلام على جبل الجودي، كانت مشيئة الله أن تتحول تلك السفينة إلى جسر عابر للماء، يحمل بذر الحياة من جزيرة العرب إلى أقطار الأرض. وكما أراد الله للكعبة المشرفة أن تكون رمزًا أول للبيوت، بيتًا يؤوي الإنسان ويُعلّم الناس معنى العمران والأسرة والسكينة، كذلك كانت سفينة نوح أول بيت عائم يحفظ للإنسانية بقاءها، ويهيئها لرحلة الحضارة.

لقد فاضت الجزيرة العربية بالبشر، فكانوا أول من ارتحل في الآفاق، يحملون في قلوبهم يقين التوحيد وفي أيديهم أدوات الاكتشاف. ومن موانئ عُمان واليمن – من صور وظفار وصحار وعدن وحضرموت – انطلقت الهجرات الأولى، عبر سفنٍ استلهمت في بنائها سفينة نوح، فأصبح العُمانيون واليمنيون بحق البحّارة الأوائل على وجه الأرض. بلغوا سواحل بيرو في أقصى الغرب، وطرقوا أبواب الصين في أقصى الشرق، بعد أن طوّروا الأشرعة وفنون الملاحة الموسمية.

وحين وطئت أقدامهم سواحل شرق إفريقيا، جذب تحضّرهم شعوب الداخل الإفريقي، فانطلقت قوافل البشر تنشد التقدم، وتفرّ من ظلمات الجهل إلى أنوار المعرفة. وهناك زرع العُمانيون بذرة لغتهم العربية في التربة الإفريقية، حتى غدت اللغة السواحلية ابنة شرعية للغة الضاد، مشبعة بمصطلحاتها، منقوشة بلهجات عمانية خالصة وكأنها من قرى ابرا ونزوى او قرى الرستاق والحمرا او لهجات السواحل العمانية او قرى الداخل ، نطقًا وكتابةً.

لقد كانت السواحلية، بما حملته من العربية، لغة النور والارتقاء. فبها تعلّم الناس القراءة والكتابة، وبها نشأت المدارس والإدارة، وبها خرجت الشعوب من الأمية إلى فضاء الحضارة. حتى أصبحت العربية علامة على التنوير، في زمنٍ كانت فيه أوروبا غارقة في ظلمات العصور الوسطى، كما شهدت المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه في كتابها الشهير شمس العرب تسطع على الغرب.

إن ما بلغته الإنسانية من حضارة كان وما يزال من بركات اللغة العربية، لغة القرآن الكريم، الذي انزل و يكون بلسانٍ عربيّ مبين، ليدعو الناس إلى وحدانية الله، ويرسم لهم دستورًا للحقوق والواجبات، وآداب التعامل الراقي. ومن هنا ارتبطت القارة الإفريقية بالعالم العربي عبر اللغة السواحلية، تلك اللغة التي غزتها العبقرية العُمانية بصوتياتها وإيقاعاتها، مستفيدة من إرث الخليل بن أحمد الفراهيدي وهو يقرقح اواني مطبخ بيته ليبني عليها نغمات مخارح الحروف ، حتى صارت لسان أكثر من مائة مليون إنسان.

غير أن ما يجب التنبه له في عصرنا الحاضر، هو تلك الدعوات التي يرفعها الغرب تحت شعارات برّاقة، لإحياء اللهجات المحلية في الوطن العربي على حساب اللغة العربية الجامعة. ينخدع بها بعض عوام الناس، وتنزلق إليها بعض المراكز الفكرية دون وعي بما وراء الأفق من دسائس، هدفها تفتيت لسان العرب وتمزيق وحدتهم الثقافية، حتى لا يبلغوا مجدًا كما بلغته الدولة الأموية والعباسية، يوم كانت لغة القرآن هي لسان الحضارة، ويوم كان الحافظ لكتاب الله يُعدّ عبقريًا يختزل في قلبه كلام الله وآياته.

وبدون ادنى شك استهدفت لغة القرآن في إمبراطوريتين اسلاميتين وهما :- العمانية والعثمانية وإحداث هشاشة في مركز الثقل اللغوي الذي يشتت الوحدة القوية الى تشتت وإضعاف!!

ومن هنا يحق لنا – نحن العُمانيين – أن نفخر بأننا نسجنا اللغة السواحلية على منوال العربية، وربطناها بها ربط الروح بالجسد كتابةً وتحدثا .

ويحق لنا كعمانيين أن نرفع إلى مؤسساتنا المعنية باتخاذ القرارات الإستراتيجية ، وأن تتقدّم رسميًا إلى اليونسكو لتوثيق اللغة السواحلية بوصفها تراثًا عمانيًا أصيلًا، امتدادًا لحضورنا التاريخي في شرق إفريقيا، وميراثًا حضاريًا لا يجوز التنازل عنه أو تركه، وتبقى البصمات العُمانية شاهدة في التاريخ واللغة والإنسان، دالةً على أن العُمانيين كانوا وما زالوا سفراء النور والحضارة والإنسانية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى