Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقالات

من سحرة فرعون إلى خوارزميات العصر: حين يتكرر وهم السيطرة

زاهر بن سيف بن سلطان المسكري

في لحظات مفصلية من التاريخ، لا تتغير القصة، بل تتغير الأداة. في زمن فرعون، كانت الأداة هي السحر؛علمٌ متقدّم بمعايير عصره، مبهر، دقيق، وقادر على خداع الأبصار.لكن المشكلة لم تكن في السحر،بل في السلطة التي اغترّت به.

﴿فَحَشَرَ فَنَادَى ۝ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (النازعات: 23–24)

لم يقلها فرعون لأنه صنع العصا، بل لأنه ظنّ أن ما وصل إليه البشر من علم جعله فوق المساءلة الحدود

السحرة: أهل الصنعة… وأول من كسر الوهم

المفارقة أن أول من أدرك الزيف لم يكونوا العامة، بل السحرة أنفسهم — أهل التقنية والخبرة. حين رأوا الفرق بين ما تُنتجه الصنعة وما يتجاوز حدودها لم يجادلوا.

﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ۝ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾(الأعراف: 120–121)

لم يكن ذلك انكسارًا،بل استعادة للحدود. فمن يعرف الأداة بعمق هو أول من يدرك متى تتحول من مهارة إلى فتنة.

فرعون لا يموت… بل يعيد تعريف نفسه

القرآن لا يقدّم فرعون كشخص فقط، بل كنموذجٍ متكرر:

سلطة + علم + غرور = طغيان

واليوم، لا يقف فرعون على عرشٍ ظاهر، بل خلف خوارزميات، ومراكز بيانات، وأدوات تدّعي الإحاطة بالإنسان. فرعون العصر لا يقول: أنا ربكم الأعلى بل يقول بلغة جديدة: نحن نعرف ما ستفعلون من خلال الدكاء الاصطناعي .. نحن نتنبأ بكم .. نحن نملك مفاتيح السلوك والرغبة والخوف، وهنا تتكرر الآية بصيغة أخرى:

﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ (يونس: 24)

لحظة الظن بالقدرة المطلقة هي بداية السقوط.

الذكاء الاصطناعي: العصا الجديدة .. الذكاء الاصطناعي — كالعصا — أداة. لكن الخطر يبدأ حين تُرفع الأداة من مقام الخدمة إلى مقام السيطرة.

حين يُنسى أن: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 85)

وحين يُعامل العلم وكأنه اكتمل، وتُعامل البيانات وكأنها تحيط بالإنسان، تبدأ منازعة الغيب.

الرعب… قبل الانهيار

القرآن يلفت النظر إلى أن العقوبة لا تبدأ دائمًا بهلاكٍ ظاهر، بل بانكسار داخلي: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ (آل عمران: 151)

الرعب هنا ليس خوفًا عابرًا، بل فقدان يقين، ارتباك، وشعور بأن الأمور خرجت عن السيطرة. وهذا ما نشهده اليوم: الخوف من أدوات صُنعت للسيطرة، القلق من أن الأنظمة لم تعد مفهومة حتى لصنّاعها.

لماذا سجد السحرة؟ ولماذا يجب أن نتوقف؟

سجد السحرة لأنهم أدركوا أن هناك حدًا لا يجوز تجاوزه.

ثقوا فليوم، يواجه العالم السؤال نفسه: هل تبقى الأداة خادمة للإنسان؟ أم تتحول إلى سلطة فوقه؟ فالقرآن يضع قاعدة لا تتغير:

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ (القصص: 83)

العلوّ ليس في البناء، بل في ادّعاء السيطرة المطلقة. والخلاصة: السنّة واحدة… والأسماء تتبدل والقصة لم تكن يومًا عن سحر، ولا عن ذكاء اصطناعي، بل عن إنسان نسي حدّه. ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: 14)

من نسي هذا، أُمهل… حتى يكتمل الزخرف، ثم يبدأ الانهيار من الداخل. فالنجاة ليست في كسر الأدوات، بل في كسر الوهم، وإعادة العلم إلى موضعه الصحيح: نعمةٌ… لا ربوبية من قبل بشر.

وهنا نقول ” لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل سيء قدير”

وخلاصة القول أن العلم إذا لم يربط بالإيمان فيعني محاربة الله في ملكه … ومن يحارب الله فقد هلك !.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى