
رواية بطابع درامي غامض ومرعب بعض الشيء، تدور أحداثها في مستشفى للأمراض النفسية، حيث سردتها الكاتبة مريم المعشني بأسلوب الراوي العليم، وهي صيغة دائمًا ما تكون قريبة للمتلقي لما تحمله من شاعرية وأحاسيس.
أرادت الكاتبة أن تسلط الضوء على ما يجري داخل المصحات النفسية من مآسٍ مرهقة قد تزيد من تفاقم الحالة النفسية، حيث نجد الكثير من المرضى، لكنهم في الأصل قد يكونون أصحاء، ويعيشون المرض نتيجة ما يتلقونه من علاج قاسٍ وأدوية متعبة.
وهذا اقتباس مما كتبته الكاتبة:
(ألا تدركون أن كلماتها تغرس في قلبي كالسكين، تنزف جروحي، أدخلتني الغرفة المكتظة بالمرضى، غرفة معتمة وباردة، غير أن زجاجات العقاقير تفوح في كل الأرجاء. العالم مليء بفتيات بريئات، ما ذنبنا أن ندخل في هذا العالم؟)
فمستشفيات الصحة النفسية قد تكون علاجًا لمن يطلب العلاج، وقد تكون سقمًا لمن يُساق إليها ظلمًا، وأقصد بذلك الأشخاص الذين ليسوا إلا أبرياء في هذا المكان.
ورغم كل ما سبق، تجد البطلة (إيلاف) من يرشدها لمواصلة علاجها، فبعد أن فقدت في بداية الرواية حنان والديها، احتضنتها الدكتورة (رحاب)، فكانت لها الأم والأب والأخت والصديقة.
وتتخلل الرواية بعض المفاجآت التي تضفي عليها طابعًا مشوقًا، منها فقدان الجدة وعودتها بعد الممات، وكيف ستُروى قصة غيابها.
وقد بينت الكاتبة عدة محاور تستحق الذكر، مثل مشكلة ابتعاد الوالدين عن أبنائهم وتأثير ذلك على استقرارهم النفسي، كما تناولت أهمية التمسك بالقرآن الكريم عند الألم، بل وفي كل حين.
ثم تنقلت الكاتبة بأسلوبها الجميل عبر تصاعد درامي متقن، وبحبكة تصل بنا إلى الدهشة، خاصة في بعض الفصول التي غلب عليها الرعب التشويقي، من خلال شخصيات مخيفة مثل القطة الغامضة، واختفاء زميلتها (غادة)، إضافة إلى تفاصيل أخرى تجذب القارئ في كل سطر.
تمر البطلة عبر عدة “نوافذ”، تبدأ من غرف المصحة النفسية حيث كانت مريضة، وتدور بها الحياة حتى تُشفى، وتجلس في نهاية المطاف في مكتبها عند النافذة، تعالج الناس بعد أن أتمّت دراستها في علم النفس الاجتماعي. شتّان بين البداية والنهاية.
طرحت الكاتبة من خلال الرواية مواقف متعددة تمس النفس البشرية، وأظهرت كيف ينبغي علينا التعامل مع مثل هذه الحالات.
وقد جعلت الرواية في نهايتها مفتوحة، لتمنح القارئ مساحة لتوقعاته وخياله فيما قد يحدث لاحقًا.
نجحت الكاتبة مريم المعشني في بناء عالم روائي مشوّق ينبض بالألم، ويطرح تساؤلات عميقة حول ما يُمارس داخل بعض المصحات النفسية.
وقدمت من خلال شخصية (إيلاف) رحلة تحوّل إنسانية تقود القارئ من العتمة إلى الضوء، ومن المرض إلى الحكمة.
رواية تستحق القراءة والنقاش، وربما في انتظار مفاجأة أخرى في جزء ثانٍ تُكمل فيه مريم المعشني ما لم تكتبه بعد.



