مقالات

ملامح المستقبل “توازن الإصلاح والعدالة” كما رسمها جلالة السلطان هيثم

عبدالعزيز بن علي الخروصي

تولّى حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – مقاليد الحكم في سلطنة عُمان في ١١ يناير ٢٠٢٠م، في مرحلة اتّسمت بتحدّيات اقتصادية وهيكلية متراكمة، ومتغيرات إقليمية ودولية متسارعة، استدعت مقاربة مختلفة في إدارة الدولة، تقوم على الوضوح المؤسسي، وحُسن توزيع الاختصاصات، وربط القرار بالتخطيط بعيد المدى.

منذ انطلاق العهد بدا جليًّا أنّ النهج المتّبع لا يقوم على المعالجة الظرفية أو الحلول المؤقتة، بل يستهدف إعادة بناء المنظومة الإدارية والتشريعية للدولة على أسس الاستدامة والكفاءة، وبما ينسجم مع تطلعات المستقبل، وقد تجلّى ذلك في المراسيم السلطانية الصادرة في أغسطس ٢٠٢٠م، التي أعادت هيكلة الجهاز الإداري للدولة من خلال دمج عدد من الوزارات، وإلغاء بعض المجالس والهيئات ذات الاختصاصات المتداخلة، وإعادة توزيع الصلاحيات بما يحقق وضوح المسؤولية وسرعة اتخاذ القرار، ويعزز كفاءة الأداء وترشيد الإنفاق، في إطار تنظيمي محكم.

تعزّز هذا المسار بإصدار النظام الأساسي الجديد للدولة في يناير ٢٠٢١م، الذي أسّس لمرحلة دستورية أكثر وضوحًا واستقرارًا من خلال تنظيم آلية انتقال الحكم باستحداث منصب ولي العهد، وتأكيد مبادئ سيادة القانون وترسيخ استقلال القضاء، وصيانة الحقوق والواجبات بما يعكس رؤية تستند إلى الاستباق والتأصيل المؤسسي، وتحمل في جوهرها التزامًا راسخًا بالعهد والمسؤولية. وفي الإطار ذاته جرى استحداث وزارة الاقتصاد لتتولى مهام التخطيط الاستراتيجي ومتابعة البرامج الوطنية وربطها بمؤشرات أداء واضحة في انسجام مع رؤية عُمان ٢٠٤٠، كما صدرت في مطلع عام ٢٠٢٦م خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة (٢٠٢٦–٢٠٣٠م) والميزانية العامة للدولة لعام ٢٠٢٦م، وقد ارتكزتا على مبادئ التنويع الاقتصادي، وضبط المالية العامة، وتعزيز كفاءة الإنفاق وتحفيز الاستثمار وفق منهج الاعتدال والتوازن.

في عام ٢٠٢٣م شهد الإطار التشريعي الاجتماعي والعمّالي تحديثًا مهمًا بصدور قانون الحماية الاجتماعية وقانون العمل الجديد، بما أسهم في إعادة تنظيم منظومة المنافع والتأمينات الاجتماعية، وتحديث العلاقة بين العامل وصاحب العمل، على نحو يوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وصون الاستقرار الاجتماعي، تحقيقًا للعدل الذي قامت عليه الشرائع.

أما في سياق الحضور الدولي المسؤول، وافقت سلطنة عُمان في عام ٢٠٢٥م على الانضمام إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في خطوة تعكس نضج التجربة التشريعية الوطنية، وثقة الدولة بمنظومتها القانونية، والتزامها بالمبادئ الإنسانية، في إطار من السيادة الوطنية والثوابت الراسخة.

إلى جانب هذه المسارات المؤسسية والتشريعية برز تفاعل مجتمعي ملحوظ مع التحولات الاقتصادية والإدارية، تمثّل لدى بعض الشرائح في شعور بالقلق المرتبط بملفات التوظيف، وتسريح بعض العاملين، وتحديات الباحثين عن عمل، إضافة إلى الملاحظات المتداولة بشأن كثافة العمالة الوافدة في بعض القطاعات، ولا يُقرأ هذا التفاعل بوصفه رفضًا لمسار الإصلاح أو تشكيكًا في مقاصده، بل تعبيرًا عن تطلع مشروع إلى تسريع الأثر المعيشي وتعزيز أولوية المواطن في السياسات التنفيذية، وتقريب المسافة بين المجتمع والمؤسسات عبر خطاب أكثر وضوحًا ومصارحة، وقد ظلّ المجتمع العُماني في مجمله محافظًا على توازنه، معبّرًا عن رأيه بأساليب مسؤولة، مستندًا إلى ثقته الراسخة بقيادة جلالة السلطان المعظم – حفظه الله – وإيمانه بأن غاية الإصلاح هي بناء دولة عادلة، مستقرة، يشعر فيها المواطن بأن أمنه المعيشي وكرامته في صميم الاهتمام، وإن استقراء هذا المسار في مجمله يبيّن أنّ النهج الإصلاحي في عهد جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله – هو نهج مؤسسي متدرّج، يقوم على إعادة البناء، وضبط الهياكل، وتحديث التشريعات، مع إدراك واعٍ لتحديات التنفيذ، وسعي متواصل إلى تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، توكّلًا على الله، القائل سبحانه: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥ﴾ [الطلاق: ٣].

إن المسار الإصلاحي الذي انتهجته سلطنة عُمان في عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – يمضي بثبات نحو ترسيخ أسس الدولة المؤسسية وتعزيز استدامتها، في إطار من التخطيط والاتزان، ومع استمرار هذا النهج وتكامل أدواته تتعزّز الآمال في أن تتجلّى ثماره بصورة أوسع في حياة المواطنين، وأن تتوثق جسور الثقة والتكامل بين المجتمع ومؤسسات الدولة بما يصون الاستقرار ويدعم التنمية ويهيّئ لمستقبل أكثر ازدهارًا لعُمان بعون الله وتوفيقه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى