الثقافي

مكتبة عُمان

عبدالعزيز بن علي الخروصي

لم يكن صدور المرسوم السلطاني بإنشاء مكتبة عُمان الوطنية وإصدار نظامها مجرد إجراءٍ إداري عابر، بل هو خطوة استراتيجية عميقة الدلالة، تُجسّد الرؤية السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – في ترسيخ المعرفة بوصفها ركيزة من ركائز الدولة الحديثة وأحد أهم ملامح الهوية الوطنية المتجددة.

فالمكتبات الوطنية في تجارب الأمم ليست مخازن كتب فحسب، بل هي مؤسسات سيادية تحفظ الذاكرة الوطنية، وتوثّق النتاج الفكري وتُعلي من شأن الكلمة بوصفها وعاءً للتاريخ، ومرآةً للتحولات وسجلًا لمسيرة الإنسان في البناء والعطاء.

من هذا المنطلق تأتي مكتبة عُمان الوطنية لتكون بيتًا جامعًا للنتاج العُماني في مختلف حقول المعرفة، ومنارةً علميةً تُعزز حضور سلطنة عُمان في الفضاء الثقافي إقليميًّا ودوليًّا.

تُعد المكتبة أحد المكونات الرئيسة لمشروع مجمع السيد طارق بن تيمور الثقافي، ذلك الصرح الحضاري الذي أُقيم في مدينة العرفان ليكون حاضنةً للمؤسسات الثقافية، ومجالًا رحبًا للتلاقي المعرفي والإبداعي.

في هذا السياق، فإن إدراج المكتبة الوطنية ضمن مكونات المجمع يعكس تكامل الرؤية؛ إذ تتجاور الثقافة والفنون والبحث العلمي في فضاءٍ واحد، بما يخلق بيئةً متكاملة تدعم الإبداع وتغذي الفكر.

إن مكتبة عُمان الوطنية لن تكون مجرد مركزٍ لحفظ الكتب والمطبوعات، بل مرجعًا وطنيًّا شاملًا يتولى جمع النتاج الفكري العُماني وإحصاءه وتنظيمه وفق سياسات معتمدة تحفظ الحقوق الفكرية والقيمة المعنوية للمؤلفين والباحثين.

كما ستُعنى بالتعريف بهذا النتاج وتيسير الوصول إليه، سواء للباحث المحلي أو للدارس الدولي، بما يعزز من حضور سلطنة عُمان العلمي ويُثري حركة البحث والدراسات.

يمتد دور المكتبة إلى دعم التعليم والتعلّم مدى الحياة، إذ ستوفر بيئة معرفية حديثة، تجمع بين الأرشفة التقليدية والتقنيات الرقمية، وتُسهم في بناء مجتمع المعرفة الذي تسعى إليه رؤية عُمان ٢٠٤٠ المستقبلية.

كما ستشكل رافدًا مهمًا للجامعات والمراكز البحثية، وتكون شريكًا فاعلًا في صناعة المحتوى الثقافي والعلمي.

أبرز ملامح المشروع هو تخصيص مبنى مستقل لمكتبة الطفل، وهو توجّهٌ يعكس إدراكًا عميقًا لأهمية الاستثمار في الطفولة بوصفها المرحلة الأهم في تشكيل الوعي؛ فمكتبة الطفل ستضم مجموعات متنوعة من الكتب والمطبوعات والألعاب التعليمية، وكل ما من شأنه أن يُنمّي الخيال، ويُعزز مهارات القراءة، ويغرس حب المعرفة في نفوس النشء.

إنها خطوة تؤسس لجيلٍ قارئ، معتز بهويته، منفتح على العالم، وقادر على الإبداع.

إن إنشاء مكتبة عُمان الوطنية يُترجم إيمان الدولة بأن الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة حضارية، وأن صون الذاكرة الوطنية واجبٌ أخلاقي ومسؤولية تاريخية؛ فالأمم التي تحفظ تراثها وتوثق مسيرتها إنما تبني مستقبلها على أساسٍ راسخ، وتمنح أبناءها جذورًا عميقة وأجنحةً واسعة.

هكذا تمضي سلطنة عُمان في مسيرتها المتجددة، واضعةً المعرفة في موضعها اللائق، ومؤكدةً أن الكتاب سيظل رفيق النهضة، وأن المكتبة الوطنية ستكون شاهدًا على تطور الدولة، وذاكرةً حيةً تحفظ للأجيال قصة وطنٍ آمن بالعلم، فبنى به حضارته وصان به هويته، وفتح به آفاق المستقبل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى