مقالات

مسقط تفتح نافذة الحوار

صالح بن سعيد الحمداني

في وسط عالمٍ ملتهب تتطاير فيه التهديدات كما الشرر وتُرسل الرسائل وتُستقبل، وتعلو الأصوات والتهديدات فيما العيون شاخصة تترقب المجهول، تتقدّم الدبلوماسية العُمانية بخطى هادئة وواثقة، حاملةً معها إرثًا من الحكمة وفكرًا مستنيرًا تشكّل عبر عقود من العمل السياسي الرصين، ففي توقيتٍ إقليمي بالغ التعقيد، تتقاطع فيه الأزمات وتتشابك فيه المصالح، تقود سلطنة عُمان وساطة غير معلنة بين واشنطن وطهران، تقوم على تبادل رسائل دقيقة، محسوبة الكلمات، هادئة النبرة، هدفها الأساس تضييق فجوة الخلاف ومنع الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مفتوحة قد تجرّ المنطقة بأسرها إلى دوامة لا تُحمد عقباها.

هذه الوساطة الصامتة، التي تجري بعيدًا عن عدسات الكاميرات وضجيج التصريحات الإعلامية، ليست وليدة اللحظة ولا ردّ فعلٍ آني، فهي امتداد طبيعي لنهجٍ دبلوماسي عُرف بالاتزان والواقعية والقدرة على قراءة المشهد الإقليمي والدولي بعمق، فحين ترتفع منسوب الخطاب التصعيدي، وتُستدعى لغة القوة، وتُغلق قنوات التواصل المباشر، تبرز مسقط كمساحة آمنة للحوار، وكجسرٍ هادئ يربط ضفتي الخصومة دون أن ينحاز، ودون أن يساوم على مبادئه، إن ثقة واشنطن وطهران بالدور العُماني في هذا الظرف الحرج تعكس مكانة خاصة بنتها السلطنة عبر سنوات طويلة من العمل الدبلوماسي الهادئ، فمسقط لم تكن يومًا طرفًا في صراعات المحاور، ولم تنجرف خلف الاستقطابات الحادة، بل آثرت دائمًا أن تكون صوت العقل في زمن الضجيج، وأن تجعل من بناء الثقة ركيزةً أساسية لسياستها الخارجية، ومن هنا فإن قبول طرفين متخاصمين مثقلين بتاريخٍ من الشكوك والتوترات، بالاحتكام إلى الوساطة العُمانية، هو شهادة دولية على مصداقية هذا النهج ونجاعته.

وفي الوقت الذي تبدو فيه المنطقة وكأنها تقف على حافة انفجار واسع تتكاثر فيه بؤر التوتر من مضيق إلى بحر، ومن حدود إلى أخرى، تأتي الدبلوماسية العُمانية لتذكّر الجميع بأن البدائل السلمية ما زالت ممكنة، وأن إدارة الخلاف لا تعني بالضرورة الانزلاق إلى المواجهة، فالرسائل التي تُتبادل عبر القنوات العُمانية ليست مجرد كلمات وإنما محاولات مدروسة لخفض التصعيد، وفتح نوافذ للتفاهم، ولو بالحد الأدنى، حفاظًا على ما تبقّى من استقرار هش، هذا الدور لا نجده معزولًا عن السياق التاريخي للسياسة الخارجية العُمانية وإنما ثمرة نضج ما يمكن تسميته بـ“المدرسة القابوسية”، التي أرساها السلطان الراحل قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ وجعل فيها الحكمة، واحترام السيادة، وعدم التدخل، وبناء الثقة، أعمدةً ثابتة لأي تحرك خارجي، وقد انتقلت هذه المدرسة بسلاسة إلى عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ـ الذي يواصل، بفكرٍ متجدد ورؤية واضحة، توظيف الدبلوماسية الهادئة لصون استقرار المنطقة وتعزيز مكانة عُمان كوسيط موثوق يُجيد التعامل مع أكثر الملفات تعقيدًا.

إن ما تقوم به مسقط اليوم بعيدًا عن الأضواء، ليس مجرد وساطة ظرفية، ولكن كما يعرفها العالم أجمع هو استثمار استراتيجي في الأمن الإقليمي، ورسالة مفادها أن الحكمة لا تزال قادرة على التأثير، وأن الحوار، مهما بدا صعبًا يبقى أقل كلفة من الحرب، وفي عالمٍ تزداد فيه النزاعات حدّة تظل عُمان، بثباتها وهدوئها، شاهدًا حيًا على أن السياسة يمكن أن تُدار بعقل بارد وقلبٍ واعٍ، وأن السلام، وإن بدا هشًا، يستحق دومًا أن نمنحه فرصة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى