الثقافي

مسرح الدمى… حين كانت الحكايات تُروى بخيوط الطفولة

آمنة بنت محمد البلوشية

ذلك كان في عام 1976. عامٌ لا تُقاس قيمته بالأرقام، بل بالذكريات التي ما زالت حيّة في القلب.

حين أرجع بذاكرتي، ومثل الطيف يمرّ أمامي، أتذكّر عم خليل… ذلك الرجل العجوز الذي كان يجلس في إحدى زوايا هبطة صور، محتضنًا صندوقًا خشبيًا صغيرًا يشبه السحر بعينه.

كنا نحن الأطفال نتحلق حوله، ندفع له مائة بيسة، فيفتح نافذةً على عالم آخر. شخصيات خشبية تتحرك داخل الصندوق، تُطلق أصواتًا لم نكن نسمع مثلها في أي مكان.

كأنّ في داخله مسرحًا سريًا، لا يُفتح إلا لمن يملك البراءة والمائة بيسة.

كنا نعتقد أن “عم خليل” يملك شيئًا لا يُشترى، وأن صندوقه لا يُباع… وربما كان كذلك فعلًا.

فـ”صندوق عم خليل” لم يكن مجرد خشب وأصوات، بل كان مدخلًا إلى عالم من الخيال، ومن الفنّ، ومن الإنسانية.

كان بدايةً لحكاية طويلة مع مسرح الدمى، ذلك الفنّ الذي يُبقي الخشب حيًّا، ويمنح الصوت للسكوت، والحياة لما لا حياة له.

حين كنا نصنع الدمى بأيدينا لكن المتعة لم تكن تنتهي عند عم خليل.

عندما نعود من الهبطة، نحن الفتيات الصغيرات، كنا نعيد تمثيل المشاهد التي شاهدناها داخل ذلك الصندوق السحري. نصنع دمانا بأنفسنا من جذوع الأشجار اليابسة.

نثبت رأسًا باستخدام مِبراة بلاستيكية صغيرة، نربط الخيوط كأنها يدان، ومن بيننا من كانت تُجيد الخياطة، فتجمع الأقمشة القديمة من أمهاتنا، وتحوّلها إلى ثياب صغيرة، مفصّلة بعناية ومحبة.

لم تكن لدينا دمى تُشترى، لكن كنا نملك الخيال، والصبر، وحسّ الصنعة. كنا نمنح الحياة لأشياء لا تُلفت أحدًا، لكنها في أيدينا كانت تنطق وتتحرك وتروي.

وكبرت أعمارنا… وكبر معها المسرح ومع مرور الوقت، كبرنا وكبرت أفكارنا.

تطوّرنا من دمى الخشب إلى تشكيل الدمى من الطين، الطين الذي يتجمّع بعد المطر، حين كانت الشوارع والمسارات لا تزال بعيدة عن يد الإسمنت.

نجلس أرضًا، نغمس أصابعنا في الأرض، نشكّل منها وجوهًا وأجسادًا.

كنا نمنح الطين روحًا، ونُلبسه ثوبًا من الخيال، ومن البهجة الصافية التي لا تحتاج دروسًا في التمثيل، بل تحتاج فقط إلى قلب طفل.

كأننا نعيش المسرح دون أن نعرف اسمه

لم تكن المسألة مجرد دمى… كنا نعيش المسرح بلغة اللعب والدهشة، دون أن نعرف أن ما نفعله يُسمى “مسرحًا”.

نبتكر القصص، نُؤلف الحوارات، نؤدي الأدوار. بعضنا كان يملك جرأة الخلق اللحظي، يبدأ بتحريك الدمية، ينطق بلسانها، يقود المشهد كأنه كاتب ومخرج وممثل في آنٍ واحد.

وآخرون كانوا يستمدّون القصص من تفاصيل الحياة اليومية — من أصوات الأمهات في المطبخ، إلى الجدال عند دكان الحارة، إلى صيحات الباعة وصيادي البحر.

أتذكّر، حين يأتي موسم الكنعد، كنا نصنع من جذوع الشجر سمكة، ندرج فيها الليمون المجفف ليكون عيني الكنعد.

كل هذه التفاصيل لم نتعلّمها من مناهج المدرسة، ولا من التلفاز، بل من البيئة الحيّة: من الساحل، من الشاطئ، من ظلال النخيل، ومن لهجة البحر.

لقد أعطتنا الطبيعة فنًا دون أن نطلبه… وأعطتنا الطفولة كل شيء، من لا شيء. ذاكرة لا تزال تنتظر التوثيق

ما كنا نمارسه لم يكن مجرد لعب، بل كان مسرحًا فطريًا حيًا، يتشكّل من الذاكرة الجماعية، من الحكايات الشفهية، من قصص الجدات التي تُروى على ضوء المصابيح القديمة، ومن خيال الطفولة الذي لا يعترف بالحدود.

أتذكّر مساءات كنا نجلس فيها حول جداتنا، وهنّ يسردن قصصًا عن غرباء دخلوا البلاد، وكيف قاومهم العُمانيون بشجاعة وبأس.

كانت أصواتهنّ تُشعل فينا شرارة القصص، فنصحو في النهار لنحوّل تلك الحكايات إلى عرض حيّ.

كل فتاة كانت تمتلك عشرات الدمى. نحركها بيدينا، ونخوض بها معركة خشبية صامتة، نضع نقطة من صبغ الأظافر على من يُصاب في المعركة.

مشاهد كاملة كنّا نؤلفها ونمثّلها، ونحن لا نعرف أننا نكتب بذلك ذاكرة شعب بلغة الطفولة.

مسرح لم يُكتب عنه بعد

وحين كبرت، وبدأت أقرأ كتب المسرح، وجدت أن كثيرًا من الباحثين يقولون إن المسرح في سلطنة عمان بدأ من المسرح المدرسي.

لكنني أعرف أن هذه ليست القصة الكاملة.

ربما لم يتمكن أولئك الباحثون من الوصول إلى القرى، والريف، والحارات، حيث كان المسرح يُصنع في البيوت، بين النساء، وفي أفنية الطفولة.

كان هناك مسرح لم يُدوّن، ولم يُدرّس، ولم يُموّل… لكنه عاش.

كان هناك مسرح الدمى، الذي نزفت أرواحنا حكاياته، وساعدتنا الجدات والأمهات على صنعه بأيدينا، لا على خشبة، بل في كل مكان.

الفنّ… حين يولد من التراب والماء، كبرنا، وتبدّلت الأشياء من حولنا.

اختفت صناديق الحكايات، وغابت الدمى الخشبية البسيطة، وسُفلتت الطرق التي كنا نصنع من طينها دمى لها روح.

لكن ما لم يغب… هو ذاك المسرح الصغير الذي لا يزال حيًّا فينا:

مسرح الحارة. مسرح الطفولة. مسرح الحياة.

لقد عشنا المسرح قبل أن نعرفه، وتعلّمنا الفن قبل أن نُعلَّم، وابتكرنا القصص قبل أن تُطبع في كتب.

كنا نصنع الجمال من البيئة، من اليد، من الروح… وكأن العالم كله كان خشبةً، ونحن ممثلوه الصادقون.

صندوق لا يُفتح إلا بالحب، ذلك المسرح لم يكن خشبة، بل كان صندوقًا.

صندوقًا لا يُفتح بالمال وحده، بل بالحب، بالبراءة، وبالدهشة.

وكما لم يكن صندوق “عم خليل” للبيع، لم تكن حكاياتنا للبيع أيضًا… كانت ملكًا لذاكرتنا، لوطننا الصغير، ولمسرح لا يزال يسكن فينا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى