الثقافي

مرض بدأ ينتشر

عائشة الفارسية

 إنه مرض العصر… مرض ينتشر بسرعة، قد يكون سببه مواقع التواصل الاجتماعي وتصوير كلّ ما يحدث وما لا يحدث، ولكن بعد تحسين الصور وإخراجها في صورةٍ مغايرةٍ للواقع، ومن هنا يبدأ المرض…

إنه مرض المقارنة بين ما نملك وما يملكه الآخرون. نعيش في زمنٍ تكثر فيه المقارنات بما نراه ونسمعه “هو يملك، وأنا لا”، “لماذا لا أكون مثله؟ لماذا هو أفضل مني؟”، الكلّ يتسابق في سباقٍ لا فائز فيه؛ لأن الذي يُقارن به لا يعلم شيئًا عمّا يدور حوله، أما الذي يُقارن نفسه بالآخرين فيُتعب نفسيته ويُجهد فكره، المقارنات كثيرة؛ فبعض الناس يُقارن عبادته وعبادة أولاده وذهابهم للمسجد بأعمال غيره الدينية، وآخر يُقارن رزقه ونِعَمه بما عند الناس، بل حتى في عدد المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت المقارنات تُغذّيها، وكأن الحياة تحوّلت إلى معركة مقارنات؛ كلّ شخصٍ يعرض ما لديه، والآخر يتحسّر على ما ليس عنده، لقد نسينا أن كلَّ شيءٍ بيد الله، وأنه قد يرزقنا أحيانًا ليختبرنا فيما رزقنا، وأحيانًا أخرى يؤخّر عنّا بعض النعم ليبتلينا بالصبر، فإما نصبر ونرضى، أو نحقد ونحسد، علينا أن نثق بعطايا الله، ونعلم أن كلَّ تأخيرةٍ فيها خيرة، وكم من أمورٍ نراها تأخرًا أو حرمانًا، لكنها عند الله نعمة عظيمة ومكانة عالية. وقد أمرنا الله أن نستبق الخير لا أن نستبق الناس، وأن ننافس بالطرق المشروعة لا بالحسد والتحسّر، قال تعالى (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) 148 البقرة، إن المقارنة سُمٌّ قاتل، تشدّنا دائمًا إلى الخلف ونحن نظن أننا نتقدّم، نقارن فنتعب أجسادنا، ونُرهق عقولنا، ونعيش في عالمٍ من التمنّي والتحسّر والإحباط، نقتل متعة الاستمتاع بما نملك، ونسلب أنفسنا جمال أرواحنا، ونُشعرها بالنقص.

لذلك يجب أن نقلّل من النظر إلى ما عند غيرنا، وننشغل بما معنا، ونحمد الله عليه، قارن ولكن بين نفسك اليوم ونفسك بالأمس، قارن لتُطوّر ذاتك، لا لتُهلكها، وبدل أن تسأل نفسك في بداية المقال ” لماذا هو أفضل مني؟”، اسأل “لماذا لا أتعلم من تجربته؟”، بهذه الصيغة تتحوّل المقارنة السلبية إلى مقارنة إيجابية، وتتحوّل من جلد الذات إلى التعلّم، فتُساعدنا على تطوير أنفسنا، وتضع أمامنا هدفًا نسعى لتحقيقه، كلّما ازداد انشغالنا بأنفسنا وتركنا ما عند غيرنا، ازداد نور قلوبنا وثقتنا بأنفسنا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى