النصوص

مرآةُ المساء

إبراهيم المنسي

في كلِّ مساء، حين يخفت صخب النهار ويذوب الضوء في فنجان الشاي الذي لا أشربه، أجلس أمام المرآة القديمة في الغرفة التي لم تعد كما كانت.

مرآةٌ خشبية الإطار، متشققة من الزاوية العليا، لكنها تحفظ وجهي كما لم يحفظه أحد.

ليست مرآة عادية، بل مرآة لها ذاكرة، تتذكّرني حين كنتُ أرتدي قمصان الأمل، وحين كنتُ أجرّ خلفي خيباتٍ صغيرة كأنها طائرات ورقية انقطع خيطها.

أراها هناك، خلف الزجاج، فتاة بعينين واسعتين، يملؤهما سؤالٌ لم يُطرح، تسألني عمّا فعلتُ بكل تلك الأحلام التي أطلقتها في ليالي المطر، تسألني:

“أين الرسائل التي لم تُرسل؟

أين الوعود التي عقدتها مع نفسك ونسيتها؟”

كنت أظنني عبرتُ بأمان، لكن المرآة تكشف ما لا أريد أن أراه، تُخبرني أني نسيتُ قلبي ذات مساء على حافة الطريق، وكان يومها يلوّح لي، فأشحتُ عنه بعينٍ مليئة بالانشغال.

صمتٌ طويل. ثم تهمس الفتاة التي في المرآة:

“لمَ تأخرتَ؟”

لا أملك جوابًا…

فأنا ما زلتُ أجلس على ذات الكرسي الخشبي، أعدّ التجاعيد كما تُعدّ امرأةٌ غريبة عمرها على أطراف أصابعها، أراقب الوقت وهو يحلّق خارج النافذة كطائرٍ لا يُمسك.

المرآة لا تكذب. فيها وجوه أحببتها… ثم فارقتها دون وداع.

ضحكات انطفأتْ قبل أن تُسمع. وحكايات كنتُ بطلها الوحيد، بلا جمهور، ولا تصفيق، فقط الصمت.

والآن، كلما نظرتُ إلى وجهي في المساء، أدركتُ أنني لستُ وحدي، ثمة آخرون يعيشون داخلي:

طفلٌ لم يكبر، رجلٌ يحمل الحقائب ولا يصل، وعاشقٌ لم يجد العنوان الصحيح.

وفي النهاية، أبتسم لها – لتلك الفتاة في المرآة – وأقول:

“عُذرًا… كنتُ أركض خلف الوقت، ونسيتُ أن أعود.”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى