متحفُ الربَّان بولاية صور.. ذاكرةُ الإبحارِ ومغاصَات اللؤلؤ
صور: خاص التكوين
صمَّم بدر السناني متحفَه أخذًا من أهميةِ التاريخِ البحري لولايةِ صور ومفرداتِه المختلفةِ ولجميعِ دولِ الخليجِ العربي، ليرفده بآلافِ القطعِ والوثائقِ التي جمعَها منذُ طفولتهِ شغفًا بالقديمِ وحبًا في استقراءِ التاريخِ من خلالِ ما مضىَ وما استخدمَ من مقتنياتٍ وأدوات، وما خطَّه القدماءُ من سطور.
يتناغمُ متحفُ الربانِ مع البيئةِ البحريةِ خاصةً وكذلك البيئاتِ الأخرى لهذه الولايةِ العريقةِ وما تحتويهِ من تراثٍ، مستعيدًا الكثيرَ من الذكرياتِ والصورِ لمغادرةِ البحارةِ ساحلَها الجميل أملًا في رزقٍ موفورٍ تحفه المخاطر.
بدأ بدر السناني في جمعِ التراثِ انطلاقًا من الورقِ وما يضمه من أحداثٍ، فبحثَ عن الوثائقِ القديمةِ والصحفِ والمجلاتِ، ولأن بعضَ ذاكرةِ الورقِ كانت تحتويها مراسلات الشعوبِ التي تسافرُ بديلًا عنهم حملًا لأخبارهِم وأمنياتِهم، كان بدر يجمعُ طوابعَ البريدِ الملصقةِ على وجهِ الأظرفِ القادمةِ من شتى الأمكنةِ، فكوَّن كمياتٍ كبيرةٍ منهَا، مما جعله يهتم بفرزِها وتوثيقِها ضمنَ كتبهِ وملفاتهِ ولم يكن وقتها يفكر في تكوين متحف يضم ما جمعه، لاسيما وأن نظره اتجه أيضا الى الخرائط القديمة التي يستخدمها البحارة والجغرافيون متتبعا طرق التجارة العالمية برا وبحرا.
يقول بدر السناني الذي التقيته في صور ضمن مشاركتنا في الملتقى الصحفي بتلك الولاية العريقة، متحدثا عن هوايته واهتمامه: كانت تراودني هذه الهواية من سنوات طويله وبعدها تحولت الى شغف عندما جمعت الكثير من النفائس والمقتنيات النادرة وكان حلمي أن يكون متحفي متنوعا ويضم قطعا نادرة، والحمد لله أصبح متحفي الذي أطلقت عليه متحف الربان مزارا تاريخيا يضم العديد من الخرائط الملاحية النادرة جدا وخرائط مغاصات اللؤلؤ القديمة التي وثقت منذ القدم لمسارات والأماكن التي تهم راكبي البحر للتعرف على مواقع المغاصات والجزر المختلفة.
ذاكرة اللؤلؤ
ولأن البحر وما يضمه من معارف وعلوم كان الاهتمام الأول لبدر، سألته عن سر الاهتمام بتاريخ الغوص بحثا عن اللؤلؤ في سلطنة عُمان والخليج، والمعارف التي تجمعت لديه، فقال: قبل أن تتجه الأنظار الى اكتشاف النفط في الخليج، كان اعتماد سكان الساحل العربي على البحر في أرزاقهم، صيدا للأسماك ونقلا للبضائع، وكان الغوص من أهم المهن التي يزاولها نخبة من البحارة نظرا لخطورتها والوقت الطويل الذي يقضيها الغواص في أعماق البحار دون الأكسجين حتى يجد محار اللؤلؤ الذي يباع بأغلى الاثمان في مختلف أسواق العالم، وبقي الغوص من أجله نشاطًا اقتصاديا مهما، حتى ظهر النفط استكشافًا وتنقيبًا واسع النطاق.
تلك الخلفية التاريخية جعلتني أبحث عن أي شيء يتعلق بهذا النشاط الاقتصادي التاريخي، لاسيما الخرائط والأدوات، بل جمعت حبات اللؤلؤ نفسها والتي حصلت عليها بجهد كبير.
قصاصات الأخبار
وعن اهتمامه الآخر بجمع الاخبار والصحف القديمة يقول بدر السناني: ان هذه القصاصات والصحف القديمة تُعد كنزا تاريخيًا مهمًا، ليس بالنظر إلى ورق الصحيفة فقط، ولكن لنمط الأخبار والصور التي كانت مثار اهتمام الشعوب في زمنٍ مضى، ولأن يتابع المهتم في هذا المجال التطورات الحاصلة في صياغة الأخبار وكذلك المنجزات والتنمية التي أحدثت نقلة حضارية جدًا في وقتها، فما نراه اليوم بأنه أمرٌ طبيعي يخلو من الابتكار والإبداع، كان وقتها حدثا مهما للغاية لاسيما استخدام السيارات في التنقل والهواتف المكتبية والبريد وشتى الأجهزة المنزلية التي كانت حلما يصعب تحقيقه وقتذاك.
ولذلك كان اهتمامي بجمع الإصدارات القديمة من الصحف والمجلات، وكذلك النشرات والكتيبات التي أصدرتها المؤسسات الرسمية والشركات وغيرها من الجهات، فهي ترصد شكلا مهما من اشكال التاريخ يمكن استقراء محتواه بتفحص شديد، واجراء الدراسات المعمقة التي تصل الى جوانب مهمة من حياة الشعوب، فالعودة إلى قراءة تلك الصّحف والمجلات تعني الإبحَار عبر أزمانٍ شتى والتعرف على مختلف الاحداث التي غيرت وجهَ العالم ونشاطاته المختلفة قبل أن نولد.
وفي كثيرٍ من الأحيان يستذكر المتأمل في تلك الصّحف القديمة الأحداث التي عاشها بنفسه، ربما في سنين دراسته الأولى، أو بداية التحاقه بالوظيفة، ولكنه لا يتذكر كل شيء عنها، فتأتي الصحفُ القديمةُ معيدة للذاكرةِ ومتعة تاريخية لا تُجارىَ.
اللؤلؤ والمغاصات
تحدث بدر السناني عن اهتمامات متحفه وأروقته المختلفة مركزًا على قاعةِ اللؤلؤِ فقال: لعلني أركز على تجارة اللؤلؤ باعتبارِها تاريخًا مهمًا لجميعِ سكانِ دولِ الخليجِ العربي وسلطنةِ عُمان خاصة، فهي قصةٌ لها جذور عميقة وحكايات ومخاطر يرويها من بقي من أولئك البحارة أو حتى أبناؤهم الذين يستمعون الى أحداثِ رحلةِ الغوصِ وما حدث فيها جلوسًا وفرحًا بآبائِهم العائدين بسلامةِ الله تعالى من أعماقِ البحرِ وطوفانهِ وهيجانِ أمواجِه.
وهناك مغاصات معروفة حددتها خبرة الغواصين على طول ساحل الخليج العربي وبحر عمان، حيث نطلق الغواصون فجرا بزاد قليل جدا يعينهم على إتمام رحلة الصيد دون إرهاق لذلك احتفظت بالخرائط الملاحية القديمة وكذلك المعدات والأدوات التي تستخدم لإنجاز مهمة الغوص.
بعد التجوال السريع بين مقتنيات بدر السناني وجهده المتحف الجميل، سألته عن طموحه فقال: ان طموحي لا يتوقف على فكرة معينة ونشاطي المتحفي في تطور ونماء، واسعى للتخصص الأوسع في التراث البحري وكل ما يتعلق كالسفن والأدوات والخرائط والمسارات لاسيما مواقع مغاصات اللؤلؤ وغيرها من العلوم والمعارف المتعلقة بالبحر.








