الثقافي

التاريــخ، كخـوذة الجُنـــدي

يونس بن مرهون البوسعيدي

يقول الأديب الإنجليزي جورج أورويل في روايته الشهيرة (1942) “أعلم أنه من المألوف أن نقول إن معظم التاريخ المسجل مجرد أكاذيب على أيّ حال، أنا على استعداد للاعتقاد بأن التاريخ في معظمه غير دقيق ومنحاز، ولكن ما يميّز عصرنا هو التخلي عن فكرة أنه يمكن كتابة التاريخ دون تحريفه”.

لعلكم سمعتم بإسم سيّد المطعني، باختصار أشد هو نحّات بارع، ومزوّر عبقريّ للآثار الفرعونية، لدرجة أنّ تُحفه تُقدّم هدايا لملوك ورؤساء الدول على أنها تُحفٌ حقيقية، وفي جوجل تعريف وافٍ به بين المقالات ومقاطع الفيديوهات، وفي النطاق نفسه سمعنا أن بعض المهووسين ببناء تاريخ مزوّر لعائلاتهم أو بناء أحداث تعضد أو تنقض الأحداث التاريخية ذات الشواهد، يذهبون لدولة آسيوية يكتب أهلها بالحروف العربية فيزوّرون وثائق تظهر بالفحص الكربوني أنها تعود لفترة زمنية قديمة، إنها سيئات الإتقان في العمل، ومصائب أخرى تُراكم على مصائب تزوير التاريخ، وإذا كان هذا واقع التاريخ المادي الممكن كشفه بالتقنيات ، فكيف بالتاريخ غير المادي كالتاريخ الشفهي الذي سمّاهُ علماء التاريخ والفقه بالروايات والأخبار ، وأطلقوا على المكذوب منه اسم الاسرائليات إشارة لما يدسّه اليهود من تلفيقات وأكاذيب في التاريخ، بل لهذا أطلق علماء الجرح والتعديل وهم يفحصون رواة الحديث عبارات من قبيل: ليس بثقة، متروك الحديث، إخباريّ ضعيف ،…إلى آخره.

ومن المعروف لدى المشتغلين والمهتمين بالتاريخ أن تزوير التاريخ هو من صناعة التاريخ، فكم سيرة لعظيمٍ شُوّهت، وكم خسيس وعميل رُفعت سيرته في الكتابات التاريخية، من ثم ينقضي أمدٌ فينجلي الزيفُ وتظهر الحقائق، وفي ذلك الأمد قد يكون التزوير التاريخي أسال دماءً، وأسقط دولًا وسرق ثرواتها.

ولأنّ التاريخ من عجلات المستقبل يُعاد استخدامه،

ولنعترف أنّ الدول الاستعمارية واليهود يقرأوننا جيدًا، يقرأون تفاصيل خلايانا لأنهم يهتمون بالعِلم قدر اهتمامهم بالمال، لذلك هم يسخّرون تاريخنا لزراعة الشقاق، فهم الأيادي الخفية الشهيرة في تزوير التاريخ، ويدُهم ظهرتْ في ملامح عبدالله بن سبأ، ويهود الدونمة واللورد ألنبي وغيرهم وبأساليب براقة وخفية تتكرر حتى يومنا المعاصر لمن يفطن لهم، وفي الحين نفسه فهم يدسّون على مهل من وفي التاريخ أوراقًا يلعبون بها للمستقبل، لإسقاط الدول حين يحين موعد تغيير القاعدين على الكراسي، ومن أخفى أساليبهم إظهار النعرات الدينية والقبلية والعرقية بدعوى دراسة التاريخ ، مع أنه قد يكون تاريخًا مزوّر الوثائق، وقد يكون كاتب ذلك التاريخ لا يعلمُ أنّ تلك الوثائقَ المدّعاة حيلٌ استعماريةٌ مزوّرةَ في شكل وثيقة تاريخية.

وتلقّف التاريخ الشفهي بلا تحقيق سينتج عنه ترويج الخرافات ، وصناعة رموز وهمية لم تُقدم لوطنها أي قيمة عليائية، هذا إذا لم تَكد أنْ تسلّم وطنها للخارج، وهنا أذكر قصة طريفة حين قال لي بعض الأعزاء (صديقي طارق ولد شيوخ) إشارة لمكانتهم الاجتماعية ، وبتفحص بسيط وجدتُ أن عائلة صديقه طارق استأجروا كاتبا يدوّن لهم ما يشاؤون من التاريخ.

وحين تُبتلى الدول بأنْ يظهر التاريخ القبَلي أو العرقي أو الإثنيّ -سواءً كان صادقًا أو كاذبًا- فإن ذلك التاريخ سيكون كالسمّ البارد الذي يسري في جسد الدولة ببطء، فيمسُّها ما مسّ الدول السابقة جرّاء الخديعة من شرخٍ في وحدتها ونظامها، ثم قد يكون الانهيار.

الجميل أن القيادة في سلطنة عمان كانت على وعيٍّ كبير بكيفية أخذ التاريخ، فلن ينسى أحدٌ الكلمات الخالدة للسلطان قابوس بن سعيد طيّب الله ثراه حين قال في جامعة السلطان قابوس (أريد أن أقول كلمة بمسألة التاريخ ،….، أجد أن التاريخ الذي كُتب منذ قرون مضت فيه الكثير من التهويل، والكثير من التحريف، والكثير كُتب بأهواء سوءا سياسية أو غيرها، …، وكم أناس في التاريخ أعلى الدرجات ، وكم أناس وضعوا في أسفل الدرجات ،…، فالتاريخ يحتاج لنظرة ولا نقرأه بعلّاته بل نتدبر ونتفكر….) هذا الوعي بقوة أثر التاريخ وأهميته هو مما صان وحدة الأرض والشعب، وحمى كُتّاب التاريخ أو المؤرخين من الانزلاق في كتابة أي تاريخ، وعدم التقاط أي تاريخ شفهي قد يسقطه التحليل البسيط، فكيف إذا كان لا يليق بالمؤرخ الأكاديمي الذي أخذ علم التاريخ بأساليب حديثة أن يكتب معلومة تاريخية بلا توثيق ولا تحقيق.

نعم إن تاريخ الأفراد هو من تاريخ الشعوب وهو من تاريخ الدول ، لكن يجب حين كتابة التاريخ النظر من الأعلى بالأسئلة الفلسفية الخمسة البسيطة (أين؟ متى؟ كيف؟ ماذا؟ لماذا؟) فهي مفاتيح الفكرة قبل جرّة القلم، كما إن التاريخ صناعة بشرية، وليس رسالة سماوية لا يأتيها الباطل من بين يديها ومن خلفها ، ومن الحياد والأمانة العلمية حين يطرح تاريخ الشخصيات أن يوضع تحت النقد العلمي شكرانا لإنجازه وإشارة لأخطائه، وهذا هو المنهج القرآني في قوله تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ)، وهكذا يجب أن يكون التاريخ مثل خوذة الجندي التي تُستخدم لإظهار الحقيقة والدفاع عن الوطن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى