
لا أتذكّر المدن التي زرتها كما يصفها السائحون.
لا المعالم الكبرى، ولا الأبراج، ولا الساحات.
أتذكّر فقط… التفاصيل الصغيرة.
أتذكّر مقهى بائسًا في زقاقٍ جانبيّ،
جلستُ فيه يومًا لأن قدميّ تعبتا،
وقدّمت لي النادلة كأس ماء قبل أن أطلبه،
كأنها قرأت وجهي.
أتذكّر تلك النظرة،
لم تكن حنواً ولا شفقة،
كانت فقط إنسانية،
كأن أحدًا قال لي بصمت: “أنا معك في التعب.”
أتذكّر بائع الصحف العجوز،
الذي ما زال يرتّب جرائده كلّ صباح،
رغم أن لا أحد يشتريها.
سألته ذات مرة: “لِمَ تفتح دكّانك؟”
قال: “العادةُ صارت وطنًا،
والرصيفُ يعرفني أكثر من أولادي.”
وفي مدينة أخرى،
أتذكّر سيدةً مسنّة جلستْ بجانبي في القطار،
أخرجتْ من حقيبتها شطيرةً مقسومة إلى نصفين،
وقدّمت لي نصفها دون أن تسألني عن اسمي.
هكذا…
هكذا أبني في قلبي مدينةً ليست على الخريطة.
مدينة لا أعرف أسماء شوارعها،
لكنني أتجوّل فيها كل ليلة،
أمشي على أرصفتها المصنوعة من حكايات،
وأضيء أعمدتها بذكريات لا تعني لأحد شيئًا،
سوى لي.
في هذه المدينة،
لا يوجد مطار…
ولا حدود…
ولا ضجيج.
كل شيء فيها هامس،
كأنها صدى الأرواح التي مرّت بنا
ثم اختفت.



