الثقافي

مائدة الفجر: نور القراءة وعظمة الأمة

زاهر بن سيف بن سلطان المسكري

الفجر، موعد الأرواح مع النور، في صمت الفجر، حين يختلط النسيم بعبق الذكر، وتغشى السكينة القلوب، تتجلى عظمة الإنسان في ارتباطه بالحق.

إنها لحظة اللقاء مع مائدة الله القرآنية، حيث يجتمع القلب والعقل والروح في نور واحد، نور الله الذي يضيء طريق السائرين.

لقد بدأ كل شيء بوحي كريم: قال جبريل عليه السلام للنبي محمد ﷺ: “اقرأ”

فكررها ثلاثًا، لتصبح دعوة أمة، وليست مجرد خطاب نبي.

“اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم.”

هذه الآيات لم تكن لتزود الإنسان بالمعرفة فحسب، بل لتفتح له أبواب الكرامة والارتقاء. وهكذا علمنا التاريخ أن القراءة منهج وسبيل، وأن الحكمة تُكتسب بالتمعّن والنهل من علوم الله.

الأمة بالعلم تقوى

لقد شهدت عمان مجدها حين ملأ العلماء بيوتها بحضورهم، فصار العلم أداة قوة ونور هداية.

حتى أنه وعلى سبيل المثال في حارة العقر الصغيرة بمدينة نزوى كان يوجد أربعون عالمًا يعتكفون على أمهات الكتب، فلا يجدون من يأتي ليسألهم عن مسألة .

إنهم أولئك المكرسين للعلم، والذين حوّلوا المعرفة إلى سراج يهتدي به الناس.

فيا أبناء الأمة، عليكم بالقراءة ثم القراءة، فلنرقَ ولنعد إلى مجدنا الأول تحت قبب المساجد، حيث تتجدد العقول، وتسمو النفوس، ويصير الفكر نورًا والخلق رسالة.

حلقات التلاوة والتدبر والبحث في مقاصد الآيات صنعت منهما رجالًا بأمة، قادرين على توحيد القلوب، وقيادة الشعب بحكمة وعدل، وتفوقوا على آبائهم في الفهم والعزم، ليكونوا ثمارًا أينعت من تربة التربية القرآنية.

نداء لكل بيت ومسجد…..

وإني إذ أنادي كل أهل مسجد في الأرض، وكل أم في بيوتها: حلّقوا حول بعضكم البعض بعد صلاة الفجر حول مائدة الله القرآنية.

من نهل نصيبًا منها، ارتقى قلبه، وصفا ذهنه، واستنار بفكر ونور الله. حيث تغشى تلك المائدة الملائكة، تستمع وتطلب الرحمة لأهلها، كما قال الله تعالى: “إن قرآن الفجر كان مشهودًا.”

فلننهل جميعًا من مائدة القرآن، ولنرفع عقولنا وأرواحنا بنور الله، ونزرع في قلوبنا سكينة وفكرًا راشدًا يقودنا نحو الفردوس الدنيوي والأخروي معًا.

درس موسى عليه السلام: التواضع في طلب العلم……

التواضع رفعة، وترويض النفس كرامة، والأدب في طلب العلم نورٌ من كتاب الله.

فموسى عليه السلام ظن، بحكم مناجاته لربه، أنه أعلم أهل الأرض، فأراد الله أن يؤدبه برحلةٍ طويلة مع الرجل الصالح في سورة الكهف الذي أوتي من علم المآل الذي لا يعامه نبي اله موسى ، وادرك أن العلم الحقيقي هو علم الله وحده، وأن أعلى درجات العلم ليست بما يجمعه الإنسان، بل بما يمنحه الله من علم.

الخاتمة: مائدة الفجر والنهوض بالأمة

إن الأمة التي تهجر القراءة تُطفئ سراج عقلها، والتي تهجر القرآن تُطفئ مصباح قلبها. فإذا اجتمع الفهم القرآني مع العقل والقراءة، صار العلم عبادة، والمعرفة نورًا، والحياة رسالة.

فلنعد إلى مائدة الفجر، حيث تتلاقى الأرواح مع الملائكة، وتُكتب البدايات الجديدة في دفتر السماء.

لنُعلّم أبناءنا أن العلم ليس شهادة تُعلّق على الجدار، بل نورٌ يستضاء به في ظلمات الفتن، وأن النهضة لا تُبنى بالحديد والمال فحسب، بل بعلمٍ يربط الأرض بالسماء، وبقلبٍ يخشع وعقلٍ يقرأ.

هذه هي عُمان القرآن والعلم والحكمة، وهذه هي الطريق للأمم إلى البقاء والخلود، كما وعد الله: “يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى