مقالات

“اقرأ باسم ربك”: قصة بداية نزول الوحي على النبي محمد ﷺ

زينب بنت حمود الحبسية

الوحي في اللغة هو الإعلام الخفي السريع، وفي الشرع هو إعلام الله عز وجل من اصطفاه من عباده بكل ما أراد سبحانه وتعالى إطلاعه عليه من الهداية والعلم والشرائع، بطريقة سرية خفية غير معتادة لدى البشر. ولقد تعلمنا في المدارس تعريفات ومصطلحات كثيرة للوحي شرعًا واصطلاحًا من علمائنا ومشايخنا الأجلاء. في هذا المقال، سنتطرق إلى بعض هذه المصطلحات التعريفية على سبيل المثال لا الحصر، ليتسنى لقرائنا الكرام الاستفادة.

تعريف الوحي لغةً واصطلاحًا:

  • لغةً: هو الإعلام والأخبار في خفاء، بأن يُلقى الأمر في النفس بشكل خفي، أو هو الكتابة والإشارة السريعة.
  • أولى بشائر الوحي: روي عن أمنا السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: “أول ما بُدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي: الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح”.

نماذج وصور للوحي:

  1. الإلهام الفطري: كالوحي إلى أم سيدنا موسى عليه السلام في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (القصص: 7).
  2. الإلهام الغريزي: كوحي الله تعالى إلى النحل في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ (النحل: 68).
  3. الإشارة السريعة: كإيحاء سيدنا زكريا عليه السلام لقومه، كما قال عز وجل: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (مريم: 11).

نخلص من ذلك إلى أن الوحي هو كلام الله عز وجل المُنزل على الأنبياء والرسل لينقلوا به أحكامًا وتشريعات إلى البشر. ولقد نزل الوحي على نبينا الكريم ﷺ بصور مختلفة، شملها قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (الشورى: 51).

مراتب نزول الوحي على الأنبياء:

  1. الرؤيا الصادقة: وهي حق كنور الشمس، كما في رؤيا سيدنا إبراهيم عليه السلام: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ…﴾ (الصافات: 102). وكما حدث لسيدنا محمد ﷺ في قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ…﴾ (الفتح: 27).
  2. الإلقاء في القلب يقظةً: وهو معنى يقذفه الله في قلب النبي من غير وساطة ملك، فيكون نورًا لا يحتمل الشك.
  3. بواسطة الملك جبريل عليه السلام: وهو أشهر المراتب، وكان يأتي على صور منها:
    • مثل صلصلة الجرس: وهي أشده على النبي ﷺ.
    • متمثلًا في هيئة رجل: فيكلمه النبي ويعي ما يقول.

قصة بدء الوحي في غار حراء:

ثم حُبب إليه ﷺ الخلاء، فكان يخلو في غار حراء فيتعبد الليالي ذوات العدد قبل أن يعود إلى أهله فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء. فجاءه الملك جبريل عليه السلام فقال: “اقرأ”. قال ﷺ: “ما أنا بقارئ”. قال: “فأخذني فغطّني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾” (العلق: 1-5).

فرجع بها الحبيب المصطفى ﷺ يرتجف فؤاده، فدخل على السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: “زملوني، زملوني”. فزملوه حتى ذهب عنه الروع، ثم قال لخديجة: “لقد خشيت على نفسي”. فقالت أمنا الطاهرة السيدة خديجة رضي الله عنها: “كلا والله لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق”.

فانطلقت به السيدة خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل، ابن عمها، وكان قد تنصر في الجاهلية ويكتب الكتاب العبراني، وقد أصبح شيخًا كبيرًا وفقد بصره. فقالت السيدة خديجة: “يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك”. فقال ورقة: “يا ابن أخي، ماذا ترى؟”. فأخبره الرسول ﷺ خبر ما رأى. فقال له ورقة: “هذا هو الناموس الذي نزل على موسى، يا ليتني فيها جَذَعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك”. فقال رسول الله ﷺ: “أَوَمُخرِجيَّ هم؟”. قال: “نعم، لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودي. وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا”.

روى البخاري عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: “بينما أنا أمشي، إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرُعِبتُ منه، فرجعت فقلت: زملوني، زملوني”. فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْzَ فَاهْجُرْ…﴾ (المدثر: 1-5). فحمي الوحي وتتابع.

إن الغاية من نزول الوحي هي هداية الناس في حياتهم؛ فالوحي يأخذ بأيديهم إلى الطريق المستقيم والنور المبين. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: 9)، ويقول سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا…﴾ (الزمر: 23).

فالحمد لله على نعمة الإسلام، ونعمة الحبيب المصطفى الذي جاهد بالحق خير جهاد حتى أتاه اليقين. اللهم احشرنا مع حبيبنا محمد ﷺ وتحت لوائه. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا وشفيعنا محمد، كما صليت وسلمت وباركت على سيدنا إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى