
في ظل الحراك الثقافي المتنامي في سلطنة عُمان ومع التحولات الكبرى التي تشهدها البلاد في مختلف القطاعات برزت مبادرة مجلس صحار الثقافي كأحد النماذج الريادية في العمل الثقافي المجتمعي، حيث شكّلت منذ انطلاقتها في 20 يوليو 2022م خطوة نوعية في سبيل تعزيز الحضور الثقافي المحلي بولاية صحار ومحافظة شمال الباطنة بل في السلطنة عموما لنشاطه الدائم،
وتُعد هذه المبادرة إحدى المبادرات الثقافية الدائمة التي تنضوي تحت مظلة وزارة الثقافة والرياضة والشباب – دائرة المعرفة والتنمية الثقافية، وتستمد نظامها من القرار الوزاري رقم (212/2016م)، الصادر بتاريخ 5 ديسمبر 2016م، والذي ينظم العمل بالمبادرات الثقافية الدائمة في السلطنة.
ولو اقتربنا من التعريف بمبادرة مجلس صحار الثقافي نجدها هو برنامج ثقافي غير ربحي يستهدف المجتمع المحلي في ولاية صحار وشمال الباطنة عبر مجموعة واسعة من الأنشطة الثقافية والمعرفية، بهدف نشر الوعي الثقافي وتعزيز روح الانتماء للموروث والتراث العماني، واحتضان الطاقات الشبابية وصقلها،
مبادرة مجلس صحار الثقافي ثقافة تنبض من قلب المجتمع، وقد وُضعت له رؤية طموحة ليكون منصة رائدة للعمل الثقافي المستدام، ورسالته تستند إلى استثمار طاقات الشباب لبناء مجتمع واعٍ مسهم في تنمية الوطن من خلال البرامج الثقافية والاجتماعية والتطوعية.
تسير المبادرة وفق خطة زمنية مدروسة بالتنسيق مع الجهات المعنية، لتقديم برامج نوعية وتنظيم فعاليات تهدف إلى إدامة النشاط الثقافي وتحفيز روح المبادرة والمنافسة بين أبناء الولاية والمحافظة إضافة إلى ايجاد شراكات استراتيجية مع مختلف القطاعات والمؤسسات الحكومية والخاصة.
ينطلق مجلس صحار الثقافي من مرتكزات تتناغم مع الأولويات الوطنية لرؤية عمان 2040 وخاصة أولوية “المواطنة وهوية التراث والثقافة الوطنية”، حيث يسعى المجلس إلى ترسيخ هذه الهُوية وغرس قيم الانتماء الوطني من خلال أنشطته، ويهدف المجلس إلى ايجاد ترابط ثقافي مجتمعي لبث المعرفة وإذكاء روح التنافس الإيجابي، فضلاً عن إبراز الجوانب الثقافية والفنية والعلمية والتراثية التي تتميز بها ولاية صحار والمحافظة عموماً.
جاء تأسيس المجلس استجابة لحاجة ملحة تمثلت بوجود طاقات شبابية هائلة ومبادرات متنوعة كانت تحتاج إلى الدعم العملي واستثمار الطاقات الكامنة، كما أن توحيد الجهود وتنوعها تحت إطار موحد يمكّن من تحقيق الأهداف بكفاءة وفاعلية، ويسهم في تعزيز العمل الجماعي.
لا يقتصر دور المجلس على نشر الثقافة فقط، بل يتعداه إلى تحقيق منافع اجتماعية واقتصادية ملموسة، فاستثمار طاقات الشباب وتحويل مواهبهم إلى مشاريع إنتاجية صغيرة ومتوسطة يسهم في التنمية الاقتصادية المحلية، كما تساعد الفعاليات المصاحبة على دعم كل فكرة وإيجادها على ارض الواقع في جلسات العصف الذهني (نسناس الفكر) من خلال تنفيذها وتطبيقها وابراز هذه الافكار لتكون فائدتها للمجتمع.
وفي الجانب الاجتماعي يسهم المجلس في تحصين الشباب من الأفكار السلبية وتعزيز الشعور بالهُوية والانتماء من خلال توفير بيئة ثقافية جاذبة وآمنة وأخذ بأيدي الشباب واستثمار طاقاتهم وإبداعاتهم.
اما من حيث المبادئ والقيم فهي تشكل دعائم ثابتة نحو التميز، فيعتمد مجلس صحار الثقافي في مسيرته على مجموعة من القيم الأساسية التي تشكل بوصلة عمله، وعلى رأسها: الشراكة مع مؤسسات الدولة والأفراد والجهات الإعلامية والتطوعية، والابتكار عبر مبادرات أصيلة تخدم القطاع الثقافي،
وتأتي الجودة من خلال التحسين المستمر والتزام المعايير العالمية، فالشمولية لتغطية جميع أنواع الأنشطة الثقافية والفنية، والاستدامة عبر مشروعات ومبادرات طويلة الأمد تخدم أجيالاً متعاقبة.
أما الدور الإعلامي فهو حضور قوي ورسالة موجهة تحمل الكثير من الفوائد، ولإدراك المجلس أهمية الإعلام أنشأ لجنة متخصصة بالإعلام والتسويق، تتولى الترويج لأنشطة المجلس والداعمين له وتسعى هذه اللجنة لبناء شراكات مع فرق إعلامية وتقنية، وتستفيد من قوة الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي كمنصات رئيسية لنشر الرسالة الثقافية، ويُعد حساب مجلس صحار الثقافي مثالاً ناجحاً على قوة التأثير الإعلامي خاصة بعد مشاركته اللافتة في مهرجان “جرش” بالأردن 2022، والتي أحدثت صدى واسعاً رغم حداثة انطلاقة المجلس آنذاك.
ومن حيث مشاركات محلية وخارجية تعزز الحضور الثقافي فقد توسعت مشاركات مجلس صحار الثقافي لتشمل فعاليات خارج سلطنة عمان، مثل مهرجان جرش بالأردن في أعوام 2022 و2023 و2024، وهناك تحضيرات جارية للمشاركة في المهرجان هذا العام بدعوة كريمة من لجنة المهرجان، إضافة إلى مشاركته مؤخراً في مهرجان الحِرفة الدولي بمحافظة الزلفي بالمملكة العربية السعودية هذا العام، واحتفالات دولة الكويت بيومها الوطني في عام 2024م
وعلى الصعيد المحلي، كان له حضور بارز في العديد من الفعاليات الثقافية، منها ملتقى التضامن الثقافي الأول في خريف ظفار 2024، وكان له حضور في معرض مسقط الدولي للكتاب في الاعوام 2023 و 2024 وهذا العام بندوات ومحاضرات قيمة، واطلاق برنامج إضاءات ثقافية وهناك خطة لبعض البرامج الاخرى بإذن الله، مما يعكس الرغبة الجادة في تمثيل الثقافة العمانية خير تمثيل في المحافل الوطنية والعربية والإقليمية والدولية.
يعمل المجلس وفق خطة سنوية طموحة يتم إعدادها مع بداية كل عام وتُضاف إليها الفعاليات التي تتم بدعوة من جهات خارجية أو مؤسسات داخلية ويحرص المجلس على التنسيق مع الجهات المعنية لضمان اتساق الفعاليات مع الرؤية العامة للقطاع الثقافي في السلطنة وبدعم من وزارة الثقافة والرياضة والشباب دائرة المعرفة والتنمية الثقافية.
في الختام يُمكن القول إن مبادرة مجلس صحار الثقافي ليست مجرد مشروع ثقافي مؤقت بل هي رؤية استراتيجية تنبع من روح الشباب العماني المتطوع وتسعى لتعزيز مكانة الثقافة في بناء المجتمع، والحفاظ على الهُوية الوطنية وتحقيق التكامل مع رؤية عمان 2040.
إن ما يقوم به المجلس من جهود متواصلة يمثل صورة مضيئة من صور العمل الوطني الجاد ونموذجاً يحتذى به في المبادرات الثقافية المجتمعية المستدامة ليبقى شعار المجلس خالداً: “من أجل عُمان أولاً وأخيراً”.




