الثقافي

ما كنتُ يومًا إمّعة..

طاهرة الشامسية

ما كنتُ يومًا إمّعة، أسيرُ خلف الضجيج لأنَّ الضجيج فقط يعلو، ولا أُسلِّم عقلي لكلّ ريحٍ تهبّ، ولا أرتدي وجوهًا ليست لي لأرضي أحدًا. خُلِقتُ وفي داخلي بوصلةٌ لا تُشبه بوصلةَ أحد، تشيرُ دائمًا إلى مكاني الحقيقي، إلى يقيني الذي لا يتبدل، وإلى تلك الروح التي ترفض أن تعيش على هامش الحياة خوفًا من كلمةٍ أو نظرة.

ما كنتُ إمّعة، لأنني تعلّمت أن الطريق لا يصبح ممهدًا إلا حين أمشيه أنا، بخطواتي أنا، لا بخطواتٍ مسروقة من أثر الآخرين. تعلّمت أن رأيي هو هويتي، وأن صمتي هو قراري، وأن اختلافي ليس عبئًا بل نعمة، وأن الإنسان حين ينصت إلى داخله يفهم العالم أكثر مما يفهمه حين يركض خلف الناس ليفهموه.

كبرتُ على فكرة أن العزة لا تُشترى، وأن الكرامة لا تقبل التخفيضات، وأن الشخصية الحقيقية تُبنى من المواقف التي لا يرانا فيها أحد، من تلك اللحظات التي نقول فيها “لا” بينما الجميع يقول “نعم”، من تلك اللحظات التي نختار فيها أن نكون أنفسنا رغم خوفنا، ورغم كلّ الأصوات التي تتعالى لتجعلنا نتراجع.

ما كنتُ إمّعة… لأن في روحي حدًّا لا يُسمح بتجاوزه، وفي قلبي نبرةٌ تعرف كيف تردّ دون أن تصرخ، وفي عقلي مساحةٌ لا يدخلها إلا من يستحق. أدركتُ مبكرًا أن الإنسان الذي يحيا برأي غيره يفقد نفسه، وأن من يلهث خلف رضا الجميع ينتهي بلا نفسٍ تُرضيه.

أنا ابنةُ التجارب التي ربّتني على الثبات، ابنةُ السقطات التي رفعتني بقوةٍ أكبر، وابنةُ المواقف التي جعلتني أختار نفسي كلّ مرة، ولو كلفني ذلك البعد عن بعض الوجوه. فهمتُ أن النجاح لا يحتاج آلاف الصفّاقين من حولك، بل يحتاج قلبًا يعرف قيمته، وروحًا لا تُباع ولا تُشترى.

ولأنني ما كنتُ يومًا إمّعة… اخترتُ أن أكون الصوت وليس الصدى، الفكرة وليس النسخة، وقررتُ أن أترك أثري بصمتي قبل كلمتي، وبموقفي قبل خطابي. قررتُ أن أعيش كما أريد أنا، لا كما يريدون لي. أن أحفظ حقي في أن أختلف، وفي أن أقول “هذا أنا.. فمن تقبّل أهلاً، ومن لم يفعل فليبحث عن نسخةٍ ترضيه”.

ما كنتُ إمّعة، ولن أكون…
لأنني تعلّمت أن أثمن ما يملكه الإنسان هو ذاته، وأن من يحافظ على ذاته يحافظ على كلّ شيء..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى