
هيّأ لنا سريرًا في داره البسيطة المكوّنة من غرفتين: إحداهما ضمّتنا، والأخرى احتوت رفوفًا تتزاحم عليها الكتبُ النفيسة، مكدّسةً في هدوءٍ يشي بغزارة العلم وسخاء صاحبه. وحين أوينا إلى فراشنا، بقيتُ أتقلّبُ في فراشي، يشغلني التفكير ويُؤخّر عني النوم. ثم رأيتُ صاحب الدار يقوم إلى رفوفه، فأخرج كتبًا وبدأ ينهل من فيضها الواسع، وتعلو سقفَ داره مصباحٌ بسيط، ينير قلبه قبل أن ينير بصره. سمعتُه يقرأ، فطار النعاس من عيني، وأخذتُ أرى ديدنه كل ليلة.
وعيتُ شيئًا من قوله وهو يردد أبيات الإمام نور الدين السالمي:
العلمُ دَرْكُ القلبِ مِثْلُ البَصَرِ
يكُونُ دَرْكَ العَيْنِ عِنْدَ النَّظَرِ
حامله يحيا به حميدًا
وإِنْ يَمُتْ يَمُتْ بِهِ سعيدا
يعيش في النَّاسِ عظيمَ الفَضْلِ
ويُرْزَقُ الفوز بيومِ الفَصْلِ
والعُلَمَا قَدْ جَاءَ في الصحاح
بأنَّهم في الخَلْقِ كالمصباح
وأَنَّهم للأنبياءِ وَرَثَهُ
ومَنْ يَكُنْ أولى بشيءٍ وَرِثَهُ
ثم رأيته ينتقل إلى كتابٍ آخر، يقرأ منه أبياتًا للإمام الشافعي:
دعِ المقاديرَ تجري في أعنّتها
ولا تبيتنّ إلا خاليَ البالِ
ما بين غَمضةِ عينٍ وانتباهتها
يغيّر الله من حالٍ إلى حالِ
هذا كان ديدن ليله؛ إذا علَت أنفاسُ الناس بالسكون والراحة، شَمّر هو عن ساعد الجدِّ، ثم قام إلى دُواة الحبر، فغمس فيها قلمه، وبدأ يخطّ بيمينه، مرددًا:
أَخي لَن تَنالَ العِلمَ إِلّا بِسِتَّةٍ
سَأُنبيكَ عَن تَفصيلِها بِبَيانِ
ذَكاءٌ وَحِرصٌ وَاِجتِهادٌ وَبُلغَةٌ
وَصُحبَةُ أُستاذٍ وَطولُ زَمانِ
كان الليلُ جائزته؛ يرحل فيه بين الكلمات والحروف، يغترف من معين علمه وعطائه، بينما هو عند غيره ليلُ سباتٍ عميق.
فلا تسأل كيف صار عالمًا… فقد رأيتُ ذلك بعيني. أدركني بعد ذلك النعاس، فأدركتُ شيئًا من فيض عِلمه ، وغاب عني كثيره .



