الثقافي

لمحة حول النقد الأدبي، فنونه وجنونه

هيثم نافل والي

يقول الجاحظ، المعاني تحيا بالألفاظ؛ والأب الروحي للألمان، الشاعر جيته، يقول، إذا رأيت أستاذاً كبيراً فأعرف بأنه انتفع بما هو جيد من آثار المتقدمين السابقين،.. هذا ما جعله عظيماً.

لنعرف النقد أولاً:

هو المرآة المصقولة بعناية التي من خلالها نرى الأشياء بأحجامها ومقاساتها الحقيقية التي خلقت عليها. ما نتوخى من النقد هو الدراسة والتقييم للوصول إلى تفسير وتحليل الأعمال الأدبية كي نعرف بعدها مظاهر القوة فيها ومناطق الضعف لفرز قبحها عن جميلها، لغتها من حشوها، عاطفتها من شرودها، حبكتها من سطحيتها وهذا كله يتوجب على الناقد أن يضع يده عليه دون المساس بشخص الكاتب ليكون في النهاية حكمه على العمل بعد يفرغ من التركيز على: الفكرة، العاطفة الإنسانية، الخيال، الإيقاع الموسيقي واللغة عندها فقط يكون النقد علمياً، مهنياً وأكاديميا. وما عدا ذلك يكون شيئاً أشبه بالمعول الذي لا يعرف في حياته غير الهدم.

تأثير النقد بشكل عام كبير على إنتاج وحياة الفنان، وخاصة الفنان المبدع. إذ يقال بأن توفيق الحكيم أثناء إقامته في فرنسا للدراسة قام بكتابة الكثير من المحاولات البحثية والمسرحية وعندما عرضها وقتها على بعض ممن كان يعرفهم قللوا من قيمتها فمزقها جميعاً، ثم ندم على فعلته وكتب ذلك في مذكراته ونوه عنها. كما يقال بأن الروائي العالمي نيكوس كازانتيزاكيس صاحب رواية زوربا اليوناني الشهيرة مزق إحدى رواياته بعد أن عرضها على زوجته فلم تعجب بها فقام بإتلافها!!

لكن يبقى الفنان المبدع بمعزل عن العزلة، أعني، ما يحدث له لا يقلل أو يكثر هذا من شعبيته، هو لا يفكر مثلنا نحن سواد الناس ويقيس الأشياء كما نقيسها نحن، له مفاهيم تختلف عن مفاهيمنا، ومنطقاً غير منطقنا، هو لا يعرف المباشرة ولا يحب التوجه المادي، وكل ما يفكر به هو سعادة البشرية من وراء ما ينتج وكيف يحل مشاكلهم من خلال فنه وإبداعه.

نعلم بأن لولا الأدب لما كان النقد. الناقد غير الكاتب، الأخير يتمتع بمواهب راقية، مهذبة خصها الله به دون سائر الناس، له قابلية على الخلق والإبداع مثل الإله لا تتوفر هذه الصفات الجميلة، الرقيقة لدى الناقد. الكاتب فنان بالولادة، والناقد صانع يتعلم المهنة بالدراسة كما فعلها الناقد العربي جبرا إبراهيم جبرا عندما قضى في لندن ثلاث سنوات يدرس فيها صنعة النقد الأدبي.

الناقد في رأيي بعيداً عن الإبداع قريباً لطبع السرّاق مع وجود الاستثناء طبعاً ويختلف عن القارئ كثيراً؛ حيث نرى الأخير يقول رأيه لو أحب تسجيله فقط، بينما الناقد يبني نقده على فكرة الكاتب المسكين بعد أن يبحث في قواميسه اللعينة عن مسببات ونتائج فكرة صاحبنا( عبد الله الفقير ) لذلك، نراه يتحذلق بنقده بعد أن يكون قد درس كل جوانب الفكرة ثم يتوسع بعدها ليصل حدود السرقة!! فلو كان جاداً، أقصد، بعبارة أخرى، مبدعاً، لكتب فكرة صاحبنا الكاتب نقداً لحالة أو تغيراً لوضع دون الاعتماد على جهد غيره كما كان يفعل عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين عندما يبدع نقداً لموضوع غير مطروق من قبل كما في كتابه الممنوع الذي حوكم عليه وتمت مقاضاته بسببه الموسوم، الشعر الجاهلي!

غالباً ما يعيش الناقد على فضل الكاتب، ومع ذلك نراه يشطح أحياناً وينطح في أحيان أخرى بلا خوف من الله أو مراعاة لضمير المهنة. فهناك نوع من النقاد يساقون دون إرادة نحو النزعة الذاتية بسبب ميولهم الشخصية فتؤثر تلك الميول وتدخل ضمن مسامات ما يكتبونه حتى يظهر نقدهم مشوهاً خالٍ من الحيادية، لا يحتكم إلى قوانين النقد الأكاديمية بسبب ما يدور في ذهنهم اتجاه هذا الكاتب أو ذاك وحسب أهوائه وما يشعرون به من حب أو كره، قرب أو بعد، صداقة أو عداوة وهكذا يبدأون يبنون نقدهم على أساسيات غير مهنية لا تعترف بالحرفية فيكون عملهم كما ذكرنا ضاراً لا يخدم القراء ولا المجتمع.

النوع الآخر من النقاد يكونون ذات نزعة موضوعية وهذا ما نبحث عنه لأنه يدخل ضمن علم النقد الأكاديمي فيؤولون اهتمامهم بالنواحي العلمية التي تقتضيها المهنة من حيث علوم النفس والاجتماع حتى تظهر كتاباتهم موضوعية تتمتع بالمصداقية بعيداً عن الأهواء أو الإغراء.

أهدتني يوماً سيدة عراقية ديوانها الشعري الأول مشكورة فبدأت بالمقدمة كالمعتاد وكانت لناقد عراقي مرموق فإذا بي أتفاجأ منها لأنها لم تكن مقدمة بل عملية نقدية بحته غير منطقية بسبب ابتعادها عن التقديم وتعريف القارئ بعلم وأدب صاحبة الكتاب مما اضطرني ذلك إلى الكتابة للشاعرة منوهاً عن الخطأ الفادح الذي وقع به ناقدنا الهمام بعد تشابكت عليه خيوط التقديم مع النقد فظهر المدخل وكأنه أداة تسلطية تنتقص من موهبة الشاعرة متناسياً بأن ديوانها كان تجربتها الأولى في عالم الكتاب فأفسد علينا متعة القراءة، عاقبه الله على فعلته الشنيعة تلك!

يتوجب على الناقد المحترف أن يلتزم بقواعد الحب، الاحترام والالتزام والتقدير للكتّاب ناهيك عن تحليه بالتواضع والبساطة وأن لا يمثل دور الواعظ، أن يقلل من الاستعلاء والعلياء، أن لا يتكلف مبتعداً عن الأحكام القاطعة الشمولية التي يجهلها رحم الفن الخالق وهو يعرف نفسه بأنه لا يمتلك أدواة الإبداع الفنية التي يمتلكها الكتّاب كما قلنا لأنه يعيش على عرق جبينهم!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى