الثقافي

كي تسعد نفسك.. غُضَّ الطرف وتغافل

صالح بن سعيد بن صالح الحمداني

في زحمة الحياة اليومية وبين تقلبات العلاقات الإنسانية نجد أنفسنا أحيانًا نحمل في قلوبنا جروحًا من كلماتٍ قيلت في لحظة غضب، أو مواقف تصرف فيها الآخرون بما لا يليق أو نظراتٍ فُسرت على غير حقيقتها، ومع مرور الأيام تتراكم هذه الشظايا الصغيرة حتى تصبح كالأثقال التي ترهق الروح وتمنعها من التحليق في سماء الصفاء والطمأنينة.

لكن لو جلست تسترجع هذه المواقف وتُقلب صفحات الإساءة مرارًا وتكرارًا فلن تصفو مودتك حتى لأقرب الناس إليك، ولن تهنأ في أيامك ولياليك، ستبقى رهين الذكرى سجين التفاصيل المؤلمة ولن تتقدم خطوة نحو السلام الداخلي.

يمتلك الإنسان ذاكرة قوية حين يتعلق الأمر بالألم فنحن لا ننسى بسهولة من خذلنا، أو من تجاهلنا أو من أساء الظن بنا، تبقى تلك اللحظات محفورة في أذهاننا تتكرر كلما رأينا الشخص نفسه أو كلما مررنا بالمكان ذاته أو حتى كلما سمعنا جملة مشابهة، والأسوأ من ذلك أننا في كثير من الأحيان نعيد فتح الجرح بمحض إرادتنا ونتلذذ – بطريقة غريبة – بلعب دور الضحية.

لكن ما لا يدركه كثيرون هو أن هذه الذكرى المؤلمة لا تؤذي من أساء إلينا بقدر ما تؤذينا نحن فالآخر ربما نسي أو تجاوز، أما نحن فنبقى نحمل تلك الإساءة كأنها حدثت قبل لحظات، وبهذا نمنحها سلطة لا تستحقها ونجعلها تتحكم بمزاجنا وقراراتنا وحتى علاقاتنا الجديدة.

في خضم التعاملات اليومية من المستحيل أن تخلو العلاقات من الهفوات فكلنا نخطئ، ونقع في زلات غير مقصودة ونسيء التقدير أحيانًا، ومن أراد أن يبني علاقات صحية ومستقرة، فعليه أن يتقن فن “التغافل”، فالتغافل فن لا يتقنه الجميع.

التغافل لا يعني الضعف ولا يعني التنازل عن الكرامة بل هو سلوك ناضج ينمّ عن وعي داخلي بأن البشر ليسوا ملائكة، وأنهم معرضون للخطأ، وهو أيضًا قرار حكيم بتجاهل ما لا يستحق الوقوف عنده وعدم تضخيم الأمور البسيطة التي قد تُفسر بغير نواياها.

قال الشاعر:

ليس الغبيُّ بسيدٍ في قومه … لكن سيدَ قومه المتغابي

التغافل حكمة لا يتمكن منها إلا من امتلك قلبًا واسعًا ونفسًا تواقة إلى السلام.

النسيان تلك النعمة التي منحنا الله إياها قد تكون من أعظم أبواب الراحة النفسية إن أحسنّا استخدامها، فكما ننسى الألم الجسدي مع مرور الوقت يمكننا – إذا شئنا – أن ننسى الإساءة أيضًا، أو على الأقل أن نجعلها تتضاءل في أعيننا حتى لا تعود تؤثر علينا.

المؤلم في الأمر أن البعض يتمسك بالذكرى المؤلمة كأنها كنز يعيدها كل حين، ويتحدث عنها أمام الآخرين وكأن بقاءها جزء من هويته، بينما النسيان اختيار نلجأ إليه لنحمي قلوبنا من الحقد وأرواحنا من التآكل البطيء.

كثيرًا ما يُفهم التسامح على أنه تنازل للآخر، لكنه في الحقيقة راحة داخلية لك أولًا، فحين تسامح فأنت تقول لنفسك: “أنا أستحق الطمأنينة، ولا أريد لخطأ الآخرين أن يسرق سعادتي”، حين تسامح أنت تقطع سلسلة الكراهية وتضع حدًا للمعاناة، اغفر وسامح ليس لأحل أحد بل .. لأجلك أنت.

هل يعني ذلك أن نثق بكل من يسيء إلينا؟ بالتأكيد لا، فالعقل لا ينفصل عن القلب، نحن نسامح لكننا لا نمنح ثقتنا إلا لمن يستحقها، ولكن لا نترك قلوبنا تعج بالغضب والكراهية لأنها ببساطة ستؤذينا أكثر مما تؤذي غيرنا.

في نهاية المطاف نحن لا نعيش طويلًا لنُثقل أرواحنا بالحقد والضغائن، الحياة أقصر من أن نقضيها في اجترار الآلام وأعز من أن نسمح لأحد أن يلوثها بكلماته أو تصرفاته عش بخفة، وتذكر أن تجاهلك للإساءة لا يجعلك أقل شأنًا بل يجعل قلبك أكثر نقاءً.

واعتمد النسيان وغُضّ الطرف وتغافل عن الزلات لا لأجلهم فقط بل لأجلك أنت.. لأجل لياليك الهادئة وأيامك الخالية من الحزن وابتسامتك التي لا يريد لها أحد أن تختفي.

السعادة قرار والراحة النفسية سلوك وأنت وحدك من يملك مفاتيحها، فاختر أن تسامح وأن تنسى وأن تمضي دون أن تنظر كثيرًا إلى الوراء.

وصدق من قال: من سَعِدَ نفسُه.. أسعدَ من حوله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى