
تعد السياحة أحد أوجه التنويع الاقتصادي ضمن القطاعات المستهدفة التي تسعى رؤية عمان 2040 لتحقيقها، وكذلك خيارا مطروحا لدعم تعدد مصادر الدخل لكثير من دول العالم سيما وأن الاعتماد على قطاع رئيسي واحد يخلق تحد كبير في ظل المتغيرات السياسية ونشؤ الازمات الإقليمية والدولية وهو ما شهده قطاع الطاقة من تذبذب أسعار النفط في ظل نتائج الازمة بين أمريكا وفنزويلا ومحاولة الرئيس ترامب للاستحواذ على النفط الفنزويلي ووضع العالم وخاصة الدول المنتجة للنفط على شفا انهيار الأسعار في أسواق النفط وهو ما يؤكد على أهمية البحث عن البدائل في العديد من الدول التي تعتمد في دخلها على النفط كمورد أساسي ومنها سلطنة عمان التي شهدت منذ بدء مسيرة نهضتها الحديثة جهودا حاولت أن تسهم في الحد من الاعتماد الكلي على النفط كمصدر لمشروع بناء الدولة الحديثة وضمان متطلبات خطط التنمية والوفاء بالتزاماتها المالية ومن خلال محاولة التوفيق بين الإيرادات النفطية وبين ما تشكله بعض القطاعات الأخرى خاصة قطاع السياحة كرافد إقتصادي يعول عليه لسد العجز في الموازنة ومدى قدرتها للمحافظة على إيجاد بيئة قادرة على ديمومة التوازن المالي.
ومع تقديرنا لتلك الجهود إلا أن النتائج لا زالت متواضعة وتكتنفها بعض التحديات مقارنة بما تم اعتماده من سياسات وبرامج وخطط لتنمية القطاع السياحي مع التسليم بأن هذه التوجهات ليست بديلاً كاملاً بمفردها، بل ينبغي أن تكون ضمن منظومة من القطاعات الجديدة مثل قطاعات التكنولوجيا، والخدمات المالية، والطاقة المتجددة والصناعات الخفيفة والمتوسطة.
وإذا كنا نتحدث عن السياحة كبديل استراتيجي فلابد لنا من وضع آلية صحيحة لاستغلال المقومات بكل تفاصيلها ومن ثم تحليل دور القطاع السياحي الإيجابي في دعم سياسة تنويع مصادر الدخل بطريقة علمية ومهنية شفافة وواضحة ومقاربة نقدية تتجاوز الطرح الوصفي إلى تقييم الأثر الفعلي للسياحة بوصفها أداة تنموية.
وينطلق هذا المقال من فرضية مفادها أن مساهمة السياحة في تحسين مستوى الدخل لا تتحقق تلقائياً، بل ترتبط بمدى تبني نموذجا سياحيا يكون مصدرا اقتصاديا مستداما قائما على تعظيم القيمة المضافة المحلية، ويسهم في رفع جودة فرص العمل، وتعزيز التكامل مع القطاعات الاخرى.
إن سلطنة عُمان بما تمتلكه من بيئة طبيعية إضافة إلى ما يوفره التاريخ والثقافة ستخلق لهذه المعطيات أرضية مواتية لتطوير سياحة نوعية إذا ما وضعنا في الاعتبار أن تحقيق الأثر الاقتصادي المنشود فسوف يتطلب منا خطوات مدروسة أكثر تركيزاً للوصول إلى جودة النمو السياحي يستثمر فيها البيئة المحلية والمناخ وتنوع الجغرافيا وتسخير الموارد المحلية الأساسية بشرط تحسين جودة هذه الموارد وتنميتها وربط ذلك بالتخطيط المدروس عند تحديد ماهية الاستثمارات النوعية وإن كانت برامجها طويلة الأمد.
مع كل هذه الطموحات التي تراودنا لكن الطريق ليس سهلا لجعل قطاع السياحة إنجازا مؤثرا ومتعدد المزايا لأسباب جوهرية يأتي في مقدمتها الظروف والمستجدات التي تؤثر تأثيرا مباشرا أو غير مباشر، ويتمثل ذلك عند نشوء الازمات الاقتصادية والصحية والسياسية وخير دليل على ذلك ما عانته دول العالم ومنها السلطنة جراء جائحة كورونا وكوفيد إلى جانب التوترات السياسية الراهنة وضعف عامل الأمن والاستقرار في بعض البلدان مما نتج عنه ارتفاع مستويات التضخم وانخفاض مستوى الدخل وهو ما أثر سلبا عن حركة استقطاب السياح.
ومع افتراضنا لكل هذه التحديات لكن يبقى قطاع السياحة قطاع اقتصادي ومحوري ذا قيمة مضافة وقدرة عالية على امتصاص مشكلة الباحثين عن عمل إلى جانب ما سيخلقه من تنوع في الاقتصاد السياحي وبالتالي سوف يساعد على تحسين ميزان المدفوعات وتعزيز الاستثمارات وتنوع الخدمات التي تستفيد منها قطاعات أخرى غير السياحة وبالتالي تصبح لدينا قوة دافعة للنمو الاقتصادي إذا ما تم تبني إستراتيجيات مسؤولة ومستدامة على المدى المتوسط والبعيد.



