النصوص

كوب شاي

أحمد بن صالح النعماني

سأخبركم عن سر تفوقي في الثاني عشر. أنا الطالب سعيد. لم أكن من الطلاب المتفوقين في المراحل الدراسية المختلفة، وعندما وصلت للصف الثاني عشر، وفي أول يوم استلمت فيه كتبي، جلست على طاولة المذاكرة أقلّبها. فجأة، دخلت والدتي إلى غرفتي ومعها كوب من الشاي، وجلست إلى جانبي تقلب الكتب أيضاً. (للعلم، والدتي لم تكمل الدراسة الجامعية، فقد اهتمت بنا بعد وفاة والدي).

في اليوم الثاني، وعندما بدأت في المذاكرة، فإذا بوالدتي تدخل إلى الغرفة ومعها أيضاً كوب الشاي، وجلست إلى جانبي تقلب الكتب. وهذه المرة، رأيتها تتصفح كتاب اللغة الإنجليزية (مع العلم أنها لا تعرف اللغة الإنجليزية!). هذا أثار دهشتي. جلست أفكر: كيف لي أن أُسعِد والدتي؟ كيف لي أن أجعلها فخورة بي؟

فعقدت العزم على أن أبذل كل جهدي لأحصل على معدلٍ عالٍ في الثاني عشر، وبدأت أخطط لكيفية المذاكرة.

بدأت الاختبارات القصيرة، فإذا بي أحقق الدرجة النهائية في كل اختبار، مما أثار دهشة زملائي. زاد حماسي أكثر، وبدأ شغف الحصول على المركز الأول ينتابني، وبدأت فعلاً أزيد من ساعات المذاكرة. وأمي كل ليلة تأتي إلى غرفتي ومعها كوب الشاي، وأحياناً تنام على طاولتي. فزاد معي الحماس لأهديها نجاحاً بتفوق يُسعدها.

اقترب موعد الامتحانات النهائية، والحمد لله حصلت على الدرجات النهائية في التقويم المستمر؛ ثلاثون كاملة في كل المواد.

ابتعدت عن كل ما يشغلني من هاتف وبرامج وكل شيء، فكان همي الوحيد هو إسعاد والدتي.

انتهت الاختبارات النهائية للفصل الدراسي الأول، والحمد لله كانت في المتناول، لم أجد فيها تلك الصعوبة، وبدأ التفاؤل يكبر معي.

تم الإعلان بأن النتائج جاهزة، وستكون متاحة بعد يومين. ازداد قلقي ولزمت غرفتي مستعيناً بالله، وضميري يؤنبني خوفاً من أن أكون قد قصرت في حقي وطموحي.

وجاء يوم إعلان النتيجة، لأتفاجأ بأن كل أفراد العائلة متجمعون: أخواتي وأعمامي وخالاتي وأقاربي.

شاهدت والدتي على سجادتها رافعة يديها. بدأ القلق والتوتر يصاحبني، أنظر للساعة حتى يحين موعد إرسال رقم الجلوس.

أرسلت رقم الجلوس، ولكن لم يصلني شيء. أرسلته مرة ثانية وثالثة. وإذ بي أسمع من بعيد صوت الرسالة. زاد قلقي، وفتحت الرسالة، وبسرعة احتضنت والدتي بقوة. هي تبكي وتقول: “بشرني يا ولدي”.

فإذا درجاتي كلها (أ). وبدأت أحسب معدلي: الحمد لله، حصلت على معدل 97.5، وأنا الذي لم أكن أحقق هذا المعدل أبداً!

لا تتخيلوا كيف كانت فرحة والدتي وبكاؤها. الجميع حملوني عالياً، ووالدتي تقول: “اتركوه لي، لم أشبع منه!”، وهي تُقبِّل رأسي وتبكي.

وحان يوم التكريم في المدرسة، حيث اتضح أنني حصلت على المركز الأول، ولأول مرة في حياتي.

استدعاني مدير المدرسة لأُلقي كلمة الخريجين، وأعطاني بطاقة الدعوة. طلبت منه أن يكون هناك مكان للنساء، فوافق.

في يوم الحفل، وقبل أن أذهب إلى المدرسة، أتفاجأ بأن أمي جهزت البخور وأيضاً خنجر والدي -رحمه الله-، حيث طلبت مني أن ألبسه مع البشت.

وقفت مزهواً فخوراً وأنا أنتظر وصول والدتي إلى الحفل. وشاهدت خالي يمسك بيد والدتي وهي تدخل إلى القاعة. سلمت عليها وقبّلت رأسها وجلست.

حان موعد خروجي لإلقاء الكلمة. وأنا في طريقي، شاهدت والدتي وهي تصفق لي بكل حرارة وتُخرج هاتفها لتصورني. تلعثمت في البداية، حيث خرجت دموعي. تذكرت والدي العزيز. كنت أتمنى أن أهديه هذا النجاح وهو إلى جانبي.

أكتب هذه الخاطرة وأنا على كرسي المذاكرة في كلية الجراحين الملكية في بريطانيا، وأمامي كوب شاي، ولكنه ليس من يد والدتي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى