«قهوة الصفح».. مشروع عماني يعيد الحياة إلى حارة القناطر بولاية إبراء
من فكرة شخصية إلى وجهة تراثية نابضة.. «قهوة الصفح» نموذج يُجسّد روح المكان العماني بين الأصالة والمعاصرة
تجولنا بين حارات القناطر القديمة بولاية ابراء التي ما زالت تتنفس عبق الطين واللبن، وتهدهد زائرها بحكايات الزمن الجميل، تنبعث من بين الجدران القديمة بارقة جديدة اسمها «قهوة الصفح»؛ مشروع سياحي ثقافي يسعى إلى إعادة الحياة إلى المكان، وإحياء ذاكرةٍ ظلت حاضرة في وجدان أهلها.
يأتي هذا المشروع كأنشودة وفاءٍ للتاريخ والتراث، إذ يجسّد رؤية شبابية عمانية تؤمن بأن الاستثمار في المباني والحارات القديمة ليس مجرد إعادة إعمار، بل هو فعل انتماء وإحياءٌ للروح التي تسكن الحجر والظل والملامح.
وتحمل «قهوة الصفح» في تفاصيلها الكثير من الدلالات الجمالية والإنسانية، فهي ليست مقهى فحسب، بل منصة للتواصل بين الأجيال، ومساحة للزوار من مختلف الأعمار ليتجولوا في أروقة الماضي، ويلتقطوا صورهم في فضاءات المكان، حيث يلتقي الضوء بعبق التاريخ، وتتعانق الذكريات مع الحاضر.
«التكوين» التقت صاحب المشروع سالم بن حمود بن سالم الحارثي، الذي فتح قلبه للحديث عن الفكرة، والدوافع، والرؤية المستقبلية لـ«قهوة الصفح»، وعن شغفه الكبير بإحياء الحارة العريقة وجعلها وجهة سياحية وثقافية نابضة بالحياة.
يقول الحارثي: كانت فكرة إحياء المكان حلمًا يرافقني منذ زمن. أنا من أبناء هذه البقعة، عشت تفاصيلها وشهدت كيف كانت نابضة بالحياة. كنت دائمًا ارجو أن أراها تعود كما كانت، أو أجمل. حارة القناطر في سفالة إبراء لها مكانة خاصة في ذاكرة الأهالي، فهي شاهدة على قصص من الكفاح، والتجارة، والتواصل الإنساني، وكنت أشعر أن من واجبي أن أشارك في بعثها من جديد. ومن هنا جاءت «قهوة الصفح» لتكون بارقة أمل، تجمع الناس وتلفت الأنظار إلى أهمية إحياء مثل هذه المواقع التي تحمل إرثًا اجتماعيًا وثقافيًا عريقًا، قبل أن تكون مشروعًا تجاريًا.
ويضيف: اهتمامنا بهذه الحارة الأثرية إيمانًا بأن المكان هو العنصر الأقوى في الفكرة. لا يمكن أن تُنقل روح القناطر إلى أي موقع آخر، فكل زاوية هنا تحكي قصة، وكل جدار يحمل أثر يدٍ من الماضي. أردنا أن نبني المشروع في حضن التاريخ لا على أطرافه، لذلك حافظنا على الملامح القديمة في التصميم، فاستخدمنا الخامات المحلية واللمسات المستوحاة من البيئة المحيطة، بدءًا من الأبواب والنوافذ وحتى الأثاث والإضاءة. كما أن اسم المشروع وشعاره مستمدّان من المكان ذاته، فـ«الصفح» اسمٌ لإحدى حارات القناطر، ويحمل في الوقت نفسه معنى العفو والتسامح، وهي قيمة عمانية أصيلة أردنا أن تكون عنوانًا للهوية والروح التي تجمع الناس هنا.
ويتابع الحارثي حديثه قائلاً: نعيش اليوم مرحلة وعي متزايد بأهمية التراث المعماري، تذكارا لماض عريق وفرصة اقتصادية وثقافية حقيقية. عندما يتم استثمار الحارات القديمة بطريقة مدروسة تحافظ على ملامحها، فإننا نعيد للمكان روحه ونخلق حوله حركة سياحية وثقافية. إن تحويل المباني القديمة إلى مقاهٍ، أو معارض فنية، أو بيوت ضيافة، أو مساحات تفاعلية للزوار، هو نوع من الاستثمار الواعي في الذاكرة، فهو لا يضيف عائدًا مادياً فحسب، بل يُسهم في تنشيط المجتمعات المحلية، ويجعل من التراث موردًا مستدامًا.
ويرى الحارثي أن مثل هذه المشاريع تمثل جسراً بين الماضي والمستقبل، قائلًا: نريد أن يرى الجيل الجديد أن التراث ليس شيئًا متحفيًا جامدًا، فهو حياة نابضة يمكن أن يعيشها ويتفاعل معها. عندما يأتي الشباب والعائلات إلى هذه الحارات، ويتجولون بين أزقتها، ويلتقطون الصور في فضاءاتها وغرفها وجدرانها، فإنهم يعيدون اكتشاف هويتهم. الصورة اليوم أصبحت وسيلة توثيقٍ حديثة، فكل لقطة تُلتقط هنا تنقل رسالة، وتعيد إحياء المكان في الوعي الجمعي. لذلك نشجع الزوار على التجول بحرية في الحارة، والتعرف على تفاصيلها القديمة ونقوشها، لأن التجربة البصرية والوجدانية هي ما يربط الإنسان بتاريخ بلده ويمنحه إحساس الانتماء الحقيقي.
وعن ما يميز «قهوة الصفح» عن غيرها من المشاريع، يقول: الميزة الأولى هي الموقع ذاته، فالقناطر في سفالة إبراء منطقة ذات رمزية تاريخية وتجارية قديمة، كانت في زمنٍ ما مركزًا للحركة والتبادل التجاري والثقافي. حافظنا على الأصالة دون أن نغفل عن الراحة والذوق الحديث. القهوة تمتزج فيها الجدران الطينية القديمة مع الأثاث العصري، وتُزيَّن زواياها بصورٍ ووثائق تحكي تاريخ المكان. كما نرى القهوة كمركز تفاعل ثقافي، وليست مجرد مرفق ضيافة، حيث نقيم فيها بين الحين والآخر جلسات ثقافية وفعاليات تراثية ومعارض للحرفيين المحليين، كي تبقى الروح الثقافية حاضرة دائماً.
أما عن خطط التطوير المستقبلية، فيوضح الحارثي: ان المشروع في بدايته فقط. لدينا خطة مستقبلية لتطويره ليصبح مركزًا ثقافيًا مصغّرًا يُعنى بالفن والتراث والسياحة الداخلية. نسعى إلى تنظيم فعاليات موسمية وعروض فنية بالتعاون مع مؤسسات ثقافية، وربما إضافة مرافق جديدة مثل ركنٍ للكتب أو معرضٍ دائمٍ للصور القديمة، ليكون المكان وجهةً متكاملة للزائر الباحث عن التجربة والذاكرة معًا. كما نعمل على توثيق مراحل التطوير بالصور والفيديو، لتكون شاهدة على رحلة المكان من الصمت إلى الحياة.
ويختم الحارثي حديثه بدعوةٍ صادقة لكل من يعشق التراث قائلاً: أقول لكل من يقرأ هذه السطور: زوروا الحارات القديمة بعين المحبة، لا بعين الماضي. كل حجر هنا يحكي عن إنسان، وكل زقاق يحمل عبق حياةٍ كانت نابضة فهي دعوة مفتوحة لإحياء ذاكرة الوطن في نفوس أبنائه، وتحويلها إلى طاقة جمالٍ وإبداعٍ وسياحةٍ مستدامة. فحين نُعيد الحياة إلى المكان، نُعيد في الحقيقة الحياة إلى ذواتنا.
بهذا المشروع الجميل، يقدّم الشاب سالم بن حمود الحارثي نموذجًا يحتذى في تحويل الحلم إلى واقع، وفي أن يكون التراث العُماني مصدر إلهامٍ وفرصٍ جديدة للابتكار والاستثمار.
لقد أعادت «قهوة الصفح» إلى الأذهان سحر الحارات القديمة، فجمعت بين عبق التاريخ ونبض الحاضر، لتغدو وجهة سياحية وثقافية تسهم في تنشيط الحركة المجتمعية، وتربط الأجيال بجذورهم عبر تجربةٍ معاشة في قلب المكان.
ومع كل زاويةٍ في الحارة، وكل لقطةٍ تُلتقط بعدسة الزائر، تتجدد الحكاية العمانية التي لا تزال تُروى بشغفٍ واعتزاز، بأن في كل حجرٍ من تراب الوطن ذاكرة تستحق أن تُحيا من جديد.




