الثقافي

قلعة حلب الأثرية.. تاريخها ومعالمها

مرشح دكتوراة: فراس الحاج علي

تُعد قلعة حلب السورية من أهم المواقع الأثرية والتاريخية ومن أكبر وأقدم القلاع في المنطقة. تقع القلعة في وسط مدينة حلب القديمة، وتقوم على هضبة هرمية الشكل بارتفاع يبلغ حوالي 40 م عن سطح المدينة. تتميز القلعة بمخطط بيضاوي الشكل، يبلغ قطره حوالي 295×170م. يوجد في المنحدرين الجانبين الشمالي والجنوبي من القلعة برجان، ويحيط بها خندق كبير ينخفض بالنسبة لارتفاع المدينة، ويتصل بالمدينة عبر سراديب وممرات تحت الأرض.

تبلغ مساحة القلعة حوالي /4/هكتارات داخل أسوارها، وهي المثال الوحيد الذي يجمع بين التحصينات العسكرية الدفاعية والمنشآت الخاصة بالحياة العامة. تحمي القلعة هذا التجمع الفريد بأسوارها العالية وأبراجها الـ42. تتميز الأسوار والأبراج بانتظامها المتنوع في بروز واجهاتها وارتفاعاتها، مما يضفي على القلعة طابعاً فريداً ومميزاً.

لمحة تاريخية عن قلعة حلب

يمثل تاريخ قلعة حلب جزءًا مهمًا من تاريخ مدينة حلب. وخلال العمليات الأثرية في القلعة، تم اكتشاف أحجار صوانية تعود للألف السابع قبل الميلاد. كما تم العثور على معبد يُمثِّل آلهة حلب القديمة، مما يشير إلى أن القلعة كانت أكروبول المدينة ومركز العبادة فيها.

كانت القلعة موطنًا لمعابد الآلهة التي تمثل الحضارات المتعاقبة في المدينة، بما في ذلك آلهة حدد، شمش، وسين. تشكل هذه الآلهة الثالوث الحلبي المقدس، حيث يُرمز حدد إلى الرعد والصاعقة، وشمش يُمثل الشمس كرمز للعدل، وسين يُمثل الهلال كرمز للوقت. بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك آلهة أخرى مثل دجن إله الخصب. تغيرت أسماء الآلهة مع تبدل السلطة الحاكمة في المدينة، بدءًا من العموريين والحثيين والميتانيين والإغريق وصولاً إلى الرومان. . ثم أصبحت القلعة مكاناً للمسيحية في العصر البيزنطي

وبعد ذلك بنيت فيها المساجد في العصور الإسلامية. هذه التغيرات تعكس التأثيرات المختلفة التي مرت بها المدينة على مر العصور والحضارات التي تأثرت بها.

يعتبر سلوقس نيكاتور أول من استخدم القلعة للدفاع والتحصين العسكري واتخذ من القلعة مقراً عسكرياً أما الرومان والبيزنطيون فقد جعلوها المقر الرسمي لإقامة حاكم المدينة وبنى البيزنطيون فيها كنيستين.

دخل العرب المسلمون مدينة حلب صلحاً عام 16هـ – 637 ميلادي، ولم يتخذوا القلعة مقرا للحكم وإنما عمدوا إلى بناء قصور خارج أسوار المدينة لإقامة فيها مثل قصر الناعورة الذي بناه مسلمة بن عبد الملك، والحاضر السليماني الذي بناه سليمان بن عبد الملك وقصر بطياس الذي بناه صالح بن علي العباسي. ومنذ ايام سيف الدولة الحمداني يعود الاهتمام بالقلعة كمركز عسكري حصين ضد هجمات بيزنطة، وكمقر للحكم بعد ان هدم نقفور فوكاس البيزنطي قصر الحلبة خارج باب انطاكية عام 351هـ ـ 962 ميلادي. كما استخدمها سعد ابن سيف الدولة الحمداني كمقراً لحكمه وتكرس استخدام القلعة مقراً للسلطة السياسية ايام بني مرداس 414 – 472 هـ , 1025– 1079م، مما أدى ألى تصاعد الاهتمام بالقلعة وبنائها وتحصينها، واستمر الامر على هذا الشكل في الفترة السلجوقية وبعدها المرحلة الزنكية حيث أعاد نور الدين ترميم القلعة وبناء سورها وبنى فيها مسجداً، وأنشأ فيها سجناً لأعدائه الأسرى من الفرنجة، وقد دخل السجن عدد من امراء الصليبيين في الشرق مثل (بودوان) ملك بيت المقدس ودوشاتيون أمير انطاكية.

يعد عصر الظاهر غازي بن صلاح الدين الأيوبي الأيوبي الذي حكم حلب ثلاثين سنة، العصر الذهبي بالنسبة لقلعة حلب، ويعود شكلها الحالي إلى أيامه، حيث خلَّف فيها من العمائر لم يسبقه إليه أحد فقد أُنشأ فيها من الأبنية المختلفة ما وصل عددها إلى 26 بناء من قصور ومساجد وحمامات وصهاريج وأبراج وجسور ومخازن وحفر حولها خندقاً بناه بالحجارة وشيد قصراً عرف باسم (دار العز)، كما تحولت القلعة أيام الظاهر غازي إلى مقر ملكي وتكامل لها البناء العسكري الحصين إلى جانب البناء الجميل المترف، واستطاعت ان تكون مدينة ضمن مدينة باستقلالها واعتمادها على إمكاناتها الذاتية.

في العام 658هـ – 1260م حاصر هولاكو مدينة حلب بعد سقوط بغداد، وقد استسلمت المدينة وفق شروط الصلح. ولكن هولاكو غدر بالمدينة والقلعة وقام بتخريبها ومعه ملك (سيس) الأرمني وقتل حامية القلعة وغادر التتار حلب بعد هزيمتهم في عين جالوت ولكنهم عادوا إليها بعد سنة فخربوا ما تم تعميره. وقد رمم كل من بيبرس وقلاوون والأشرف خليل بعض مباني القلعة، وحلت بها كارثة أخرى عام 1400م حينما اجتاحها تيمور لنك فدمرها مع مدينة حلب. ولكن حاكم المدينة المملوكي (جكم ) نائب السلطة قام بأعمال كثيرة وترميم القلعة وإصلاح خندقها متوخياً المحافظة على طابعها الايوبي وبنى فيها برجين إلى الشمال والجنوب , كما شرع ببناء قاعة العرش التي اتمها السلطان المملوكي ( المؤيد شيخ ) وأعاد السلطان قايتباي بناء سقف القاعة واستكمله السلطان قانصوه الغوري وجعل له تسع قباب جميلة واتخذ القلعة مكانا للاستعداد لمعركته الفاصلة مع السلطان سليم العثماني. ومنذ عام 1516م أصبحت حلب وقلعتها ولاية عثمانية بعد هزيمة المماليك في معركة مرج دابق شمال حلب.

كان الوالي العثماني يقيم فيها أحيانا وفي قصور أخرى في اغلب الأحيان، وقد تعرضت لتخريب كبير في زلزال 1822م، وقام ابراهيم باشا المصري باقتلاع أحجار سفح الخندق ليبني بها ثكنة عسكرية داخل القلعة.

خلال الاحتلال الفرنسي أقامت فيها فرنسا حامية فرنسية، وقد قام الكولونيل الفرنسي يدعى ويغان بسرقة المحراب الخشبي من مسجد ابراهيم الخليل(مسجد نور الدين نكي) في القلعة ونقله إلى فرنسا، وكانت هذه السرقة السبب المباشر في ولادة جمعية العاديات عام 1924م ودعوتها لحماية الآثار والتراث وذلك بمبادرة من الشيخ كامل الغزي.

المعالم الأثرية في القلعة

سور القلعة

إن سور قلعة حلب إهليجي الشكل، يبلغ محيطه حوالي/900/م تتخلله أبراج يبلغ عددها 42 برج، ويرتفع السور اثني عشر متراً وهو من الحجر الضخم، والسور والأبراج كلها تعود إلى العصور العربية الإسلامية، بدءا من القرن الثاني عشر إلى السادس عشر الميلادي، ولقد خرّب في مراحل كثيرة.

الخندق

قام السلطان الظاهر غازي بن صلاح الدين بحفر الخندق حول القلعة كحاجز دفاعي ويبلغ عرض الخندق 30 م بعمق 22م ولكن هذا العمق أقل الآن بفعل الأتربة الموجودة فيه.

المدخل الرئيسي للقلعة (الباشورة)

تم بناء الباشورة عام 1182-1183م وكان الهدف من بناءها عرقلة وصول الأعداء لداخل القلعة. بنيت الباشورة في العصر الأيوبي على يد الملك الظاهر غازي، فقد ربط المدخل الرئيسي للباشورة بالمدخل الخارجي عن طريق جسر بثمانية قناطر، وجعل المدخل جانبياً لمنع آلة رأس الكبش من دك الباب، كما بنى البوابات الحديدية الثلاثة (باب الحيات، باب الأسدين باب الأسدين الضاحك والباكي) وأقام أماكن لجلوس الجند ورجال الدولة. نلاحظ وجود مرامي للسهام ووجود فتحات علوية لصب السوائل المحرقة والقذائف على العدو.

القاعة البيزنطية (حبس الدم)

هو خزان ماء كبير بناه البيزنطيين واستمر استخدامه في العصور الإسلامية المتلاحقة في العهد العثماني تم فصل الخزان لقسمين. بقي استخدام الجنوبي كخزان للمياه بينما استخدم القسم الشمالي كسجن، بينما اقتصر استخدامه كسجن خلال الاحتلال الفرنسي.

مسجد نور الدين الزنكي (الجامع الصغير)

بني على أنقاض الكنيسة التي حولها بنو مرداس إلى جامع، بناؤه الحالي يعود للفترة الزنكية فقد بناه نور الدين الزنكي وقد اشتهر الجامع بمحرابه الخشبي الذي سرق أو فقد خلال الاحتلال الفرنسي. يتألف الجامع من الساحة الرئيسية وغرف المصلين الصغيرة ذات السقف المقبب، في وسط الساحة نلاحظ وجود خزان ماء عميق (15) م يعود لنور الدين كما نلاحظ وجود مكان لبئر عميق.

حمام نور الدين

بني في عهد نور الدين الزنكي كحمام للقلعة, تغيرت وظيفته أثناء الفترة العثمانية إذ أنه استعمل مكاناً للصناعات المعدنية.

معبد الإله حدد (إله الطقس)

تم الكشف عن معبد إله الطقس في عام /1996/ حيث تم العثور عن أحجار تأسيس ضخمة ارتفاعها /1.20/ متر، مع وجود 34 لوحاً حجرياً معظمها بازلتي تحوي صوراً نافرة لحيوانات وملوك وآلهة تعود للفترة السورية خلال الحكم الحثي وقد تصدّر هذه الصور من جهة الشرق لوح ملك أمام اله الطقس الحلبي “حدد” مع كتابة هيروغليفية – حثية من القرن الحادي عشر قبل الميلاد، وفي الجهة الغربية من المعبد قرب المدخل وفي عام /2004/ تم الكشف عن تمثال أسد ضخم وبقربه رجل على هيئة سمكة مما هو معروف لدى الآشوريين وتمثال ضخم لأبي الهول.

الجامع الأيوبي الكبير

بني في عهد الملك الأيوبي الظاهر غازي حيث ازداد عدد الموجودين في القلعة واحتاجوا لمكان أوسع للتجمع والصلاة, له مئذنة أيوبية مربعة داخل المسجد محرابين.

الخزان الأيوبي

شيد هذا الخزان في عهد الملك “الظاهر غازي بن صلاح الدين الأيوبي” حيث كان يستخدم كخزان للمياه تجمع فيه مياه الأمطار حتى يستطيع سكان القلعة من استخدام المياه أثناء الحصار، فيما بعد استخدم كمستودع للحبوب. وهو بأبعاد 16.7 م× 16.7م وبارتفاع 18م مسقوف بعقود تحملها أعمدة ضخمة مقطعها مربع طول ضلعه 1.5م.

الساتورة (بئر الماء الحلوة)

يعود بناؤها للسلطان الظاهر غازي. وهي عبارة عن بئر عميق تتصل بقناة حلب من الشمال بأنابيب تحت الأرض وتسير بالخندق حتى تصل إلى البرج الشمالي مارة تحته حيث يصب الماء الوارد في الأنابيب في مجرى واسع يصب في الساتورة على عمق عدة أمتار توجد سراديب تؤدي لخارج القلعة ومنها لخارج حدود المدينة القديمة.

القصر والحمام الملكيان: تشير الكتابات إلى ان بناء القصر يعود إلى أيام الملك العزيز محمد ابن الظاهر غازي، ولم يبقى من القصر إلا بقايا غرف وباحة ومقرنصات جميلة، وخلفه باتجاه الشرق يقع الحمام الذي يعود بناءه إلى أيام الناصر يوسف الثاني بن العزيز محمد. وقد بقيت منه أرضية جميلة من الأحجار السوداء والبيضاء ومصاطب وغرف استحمام وأماكن تمديد قساطل المياه الحارة والباردة.

قصر الطواشي

في عام 628 م بنى الملك العزيز دارا بالقلعة إلى جانب الزردخانة. يقع هذا القصر بين قصر إقامة السلطان وبين قاعة العرش, وتدل البقايا على أنه ربما كان مقر إقامة لمدير القصر وخدمه وله نفس تقسيمات المنازل التقليدية (فناء مفتوح للسماء تحيط به الإيوان والغرف الأخرى وعن طريق الدرج يتم الانتقال للطابق الأعلى).

الزردخانة (دار السلاح)

بنيت في الفترة الأيوبية, وكان مكان لتصنيع الأسلحة.

الغرفة الأيوبية

تقع في موقع كان يوصف بأنه الميدان الأخضر(المسرح والمدرج حالياً) حيث كانت تتم فيه مباريات في ركوب الخيل. يتم الدخول إلى الغرفة الأيوبية من ثلاث فتحات باتجاه كل من الشمال والجنوب والشرق.

الباب السري

باب يقود إلى ممرين سريين أحدهما يمر تحت الخندق باتجاه المدينة وكلا الممرين لا يمكن الوصول إليهما ويعود وجودهما للعصر الأيوبي كما يوجد ممر سري آخر يبدأ من عند الساتورة (خزان أيوبي بني في عهد الظاهر غازي) ليتصل بقناة مياه حلب.

قاعة الدفاع الأيوبية

يوجد فيها كوى لرمي السهام وفتحات لقذف السوائل المحرقة وفوهات في الأرضية لرمي السوائل على مهاجمي القلعة من المدخل الرئيسي، وهي على عدة مستويات.

قاعة العرش

بعد أن دمرت جيوش تيمور القلعة عام 1400 قام الحاكم المملوكي حكم سيف الدين ببناء قاعة العرش فوق البرجين الأيوبيين عند المدخل، واستخدمت القاعة للاستقبالات الرسمية، وكانت أرضية القاعة مغطاة بالموزاييك. تم استكمال القاعة في القرن/15م/ من قبل الحاكم المملوكي مؤيد الشيخ الذي قام ببناء سقفها الخشبي المسطح، ثم قام السلطان المملوكي الأخير قانصوه الغوري باستبدال السقف المسطح بتسعة قباب والتي ربما دمرت بالزلزال عام1822، في الثمانينات من القرن الماضي تم ترميم قاعة العرش واستكمال بناءها وبناء سقفها.

البرجان الشمالي والجنوبي

بناهما الأمير سيف الدين حكم المملوكي وجددهما السلطان قانصوه الغوري ويرتبطان بسرداب سري بالمبنى الرئيسي للقلعة وبسرداب آخر يتصل بدار العدل في مواجهة القلعة.

البيوت العثماني

في العصر العثماني لم يعد للقلعة أهمية عسكرية ولكن أصبحت حامية للجنود فقط وقد دلت التنقيبات على وجود نماذج مختلفة من البيوت بفناءاتها المختلفة وأحجامها وأرضيات بألوان متعددة.

الثكنة العسكرية

تقع هذه الثكنة شرقي الجامع الكبير، معظم الدارسين لقلعة حلب يؤكدون أن الحاكم المصري ابراهيم باشا هو من قام ببنائها أثناء احتلاله لبلاد الشام في الفترة بين 1248هـ/1832م و1256هـ/ 1840م، إلا أن النقوش الكتابية الثلاثة الموجودة فوق أبواب الثكنة تشير إلى أن بنيت أيام السلطان العثماني عبد المجيد الأول بين عام 1261هـ/1844م و 1267هـ/1850م. وهي كانت متحف في فترة قبل الحرب على سوريا، يضم اللقى الأثرية التي تم العثور عليها في القلعة، وإلى جانبها نفق يؤدي إلى درج مؤلف من 225 درجة يتصل بثلاث فتحات تؤدي إلى المنافذ خارج القلعة وإلى جانبها درج يؤدي إلى قاعة كبيرة كانت تستخدم مستودعاً للحبوب في العهود الإسلامية وقد تكون صهاريج مياه أيام البيزنطيين.

الطاحونة الهوائية

وهي عبارة عن بناء دائي مرتفع تقع إلى الجنوب الشرقي من الثكنة العسكرية العثمانية بالقرب من السور، أنشاها ابراهيم باشا المصري وقد كانت عبارة عن رحى تدور بواسطة قوى الريح.

المصادر والمراجع

ابن الشحنة، أبو الفضل محمد. “الدرر المنتخب في تاريخ حلب”. تقديم: عبدااله محمد الدرويش دمشق: دار الكتاب العربي،١٥٠٤ هجري =١٩٨٤ ميلادي.

شعث، شوقي. (1996). “قلعة حلب: تاريخها ومعالمها الأثرية”. حلب: دار القلم العربي للنشر.

نجوى عثمان.(2009). “كتاب الآثار والأوابد التاريخية في حلب وكلس وعنتاب.” جامعة حلب.

كاي كوهلماير.(٢٠٠٦). معبد إله الطقس في قلعة حلب؛ ترجمة فاروق إسماعيل. دمشق: وزارة الثقافة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى