
لم يستوعب أحمد ما شاهده من انكسار في ملامح زوجته، لكنه في تلك اللحظات لم يرغب في تعكير صفو ليلة زفافه، ولا فرحة الأهل بزواجه. فآثر الصمت، وانتظر، فكما يقال: “عندما يذوب الثلج، يظهر المرج”.
جاء الصباح بطيئًا، وبوادر الإرهاق بدأت ترتسم على وجه أحمد.
خرج ليجد علياء، بثياب الزفاف، منهارة على الأرض، وملامح الرعب تكسو وجهها.
قال أحمد باقتضاب: – السلام عليكم.
ردّت علياء بصوت مرتجف يكاد يذوب من الخوف: طلّقتني، أحمد؟
جلس أحمد فجأة على أقرب كرسي، وكأن قدميه خانتاه. ثم قال ببرود يخفي زلزالًا في صدره:
– قولي… قولي الحكاية من البداية، أريد أن أسمع… تكلّمي.
قالت علياء وهي تتلعثم: أنا… أنا خدعت
نهض أحمد من مقعده، مكسور الخاطر، وكأن الدنيا تدور به كورقة صفصاف تلعب بها الرياح. دخل الغرفة الرئيسية، التقط ثيابه، وذهب إلى غرفة أخرى، لا يدري ما يفعل ولا كيف يتصرف.
أما علياء، فأخذت تبكي وتنوح وتُهلوس:
– يا ويلي، راح يطلقني… بيخبر والدي، بتصير فضيحة! أخواتي البنات، شو بيصير فيهم؟
ثم أخذت تضرب خدها وتبكي:
– يا رب، ساعدني… والله العظيم إني نادمة… أنت صاحب الأمر والنهي، يا رب…
سمعت صوت أحمد من الغرفة الثانية، صوته مكسور:
– اغسلي وجهك… وتصرفي عادي، وربك يفرّجها. بعد قليل، أمك وعمتك بيجوا يطمنوا عليكِ.
وما هي إلا دقائق حتى دقّ الجرس، فنهض أحمد من غرفته، ودخل الغرفة الرئيسة ليفتح الباب.
قبّل رأس والدة علياء، ورحب بها قائلًا: – أهلًا وسهلًا، يمّه.
قالت والدة علياء بمرح: السلام عليكم، يا عرسان، كيف حالكم؟
ابتسم أحمد وهو ينظر إلى ساعته، فقد حان موعد خروجه لاستقبال أصدقائه والمهنئين.
قالت أم علياء: ولدي، الحين نأخذ العروس عشان تستقبل صديقاتها وبنات العايلة، ونجهز الغداء.
ضحكت عمة علياء وقالت ممازحة: – لا تخاف، بنرجّعها لك بسرعة. ما راح تتأخر، أوعدك!
ابتسم أحمد وخرج من المنزل.
في بيت أهل العروس، جلست علياء مع صديقاتها المقربات: نورة، لبنى، شمسة، وابنة عمتها وفاء.
همست لبنى قائلة:
– خبرينا، كيف مرت الليلة؟
بدت علامات الخجل على وجه علياء، وقالت بعد تردد: – الحمد لله، زينة.
احمرّت وجنتا علياء بشدة، ولم تستطع الرد. وبعد لحظات، قالت بهدوء:
– أحمد طيب، ابن حلال، والله يوفقني وأسعده.
قالت نورة:
– أهم شيء إنك صرت زوجة.
أخفت علياء غصتها بابتسامة، وقالت: أجل، أجل
في المقابل، كان أحمد يجلس مع أصدقائه وأقاربه. اقترب منه عمه سالم، وجلس معه على انفراد.
قال العم سالم: أحمد، كيف حالك؟
رد أحمد: – الحمد لله، عمي. أنا بخير.
تابع العم سالم بخبث: والبنت؟ عساها طيبة؟
تفاجأ أحمد بالسؤال، وتلعثم: البنت محترمة…
نظر العم سالم يمينًا ويسارًا، ثم غمز له بعينه وقال: أهم شي أمورك طيبة.
ضحك أحمد بخفة وقال: نعم، أموري طيبة…
يتبع…



