الثقافي

قراءة موسَّعة في الصورة الفوتوغرافية “الهروب” . للمصور العُماني أحمد الحوسني

آمنة بنت محمد البلوشي

تأتي الصورة الفوتوغرافية “الهروب” بعدسة الفنان العُماني أحمد الحوسني لتضعنا أمام مشهدٍ يتجاوز حدود اللحظة البصرية، ليصبح نصًّا بصريًا مكثفًا عن الفطرة والخوف والنجاة. في سباق الهجن، وهو أحد الرموز العميقة في الثقافة الخليجية، يحدث ما لا يُتوقّع: جمل يخرج عن مساره، يخلّ بالتوازن المألوف للمشهد، ويندفع خارج الخطوط المحددة له.

في تلك اللحظة، وبين صياح الجماهير وغبار الميدان، تظهر طفلة صغيرة، بملامحها المفعمة بالدهشة والذعر، تسعى إلى الهروب، بخطواتٍ متعثّرة تحاول أن تنجو من الكائن الضخم القادم نحوها.

هنا يبدأ السحر البصري والرمزي في عمل الحوسني؛ فالصورة لا توثّق مجرد حدثٍ عابر في مضمار سباق، بل ترسم صراع الإنسان مع المجهول، وتكشف عن تلك اللحظة التي يلتقي فيها الطبيعي بالفطري، والمدرّب بالعفوي، والآمن بالمفاجئ.

“الهروب” هو عنوانٌ صادق على مستويين: الأول حسيّ واقعي، يتمثل في الطفلة التي تهرب خوفًا من الجمل الخارج عن السيطرة، والثاني رمزيّ وجودي، يعبّر عن هروب الإنسان من ما يهدد توازنه الداخلي، من الفوضى، من الخطر، وربما من ذاته.

من الناحية التقنية، استطاع الحوسني أن يوظّف التكوين الحركي والعمق الميداني ببراعة. الجمل في لحظة اندفاعه يشكّل قوة بصرية طاغية، بينما الطفلة في الجهة المقابلة تمثّل نقطة الضعف والإنسانية الهشّة، وبينهما الجماهير — الكتلة البشرية المترقبة — تشكّل خلفية مشحونة بالتوتر والارتباك.

الضوء الطبيعي والغبار المتطاير أضفيا على المشهد طبقة من الدراما الواقعية، وكأن الصورة وُلدت من قلب الحدث، لا من خلف عدسة مراقبة، بل من عينٍ تلامس الخطر ذاته.

في تحليلٍ أعمق، يمكن القول إن الجمل الخارج عن المسار هو رمز للحرية المفقودة، حرية الكائن الذي تمرّن على الطاعة، لكنه فجأة يختار التمرد، فيتحول المشهد من نظامٍ وانضباط إلى فوضى وانفلات. أما الطفلة، فهي صوت البراءة المهددة، ترمز إلى الإنسان البسيط الذي يجد نفسه وجهًا لوجه أمام قوةٍ لا يملك لها تفسيرًا.

في تلك اللحظة، يُختصر المشهد الإنساني كله: القوة، الضعف، الخوف، النجاة، الغبار الذي يبتلع وضوح الرؤية، والبحث الغريزي عن الأمان.

لا يمكن قراءة “الهروب” بمعزل عن السياق الثقافي الذي جاءت منه. فسباقات الهجن، على قدم رمزيتها في التراث الخليجي، تمثّل التقاء الإنسان بالحيوان في مساحةٍ من السيطرة والتدريب. لكن في هذه الصورة، ينكسر ذلك التوازن، ليُظهر لنا الحوسني أن الطبيعة لا تُروَّض تمامًا، وأن خلف كل نظام تقني أو تقليدي يكمن احتمال الفوضى الكامنة، واحتمال الانفلات من الخطوط المرسومة.

أما من حيث الإحساس الإنساني، فإن وجود طفلة — لا رجل، ولا متسابق — هو اختيارٌ بصري ذكي، يُضفي على الصورة شحنة عاطفية عالية. فالبراءة في مواجهة الخطر تولّد في المتلقي إحساسًا فوريًا بالتعاطف والارتباك، وكأننا نحن من نركض في تلك اللحظة. هذه العدوى الشعورية هي ما يجعل الصورة حية، قادرة على تجاوز حدود المكان والزمان، لتصل إلى وجدان كل من يشاهدها.

الصورة إذًا ليست مجرد فوزٍ فني، بل انتصارٌ للعين التي ترى ما وراء الحدث.

عدسة أحمد الحوسني لم تكن تبحث عن اللقطة الجميلة بقدر ما كانت تلاحق المعنى الإنساني في فوضى الواقع.

لقد استطاع أن يحوّل لحظة خوف عابرة إلى قصيدة بصرية عن الحرية والهشاشة والدهشة، وأن يجعل من فعل “الهروب” سؤالاً مفتوحًا حول الإنسان والطبيعة والنظام.

بهذه الرؤية، تؤكد “الهروب” أن الصورة الفوتوغرافية ليست مجرد انعكاسٍ لما يحدث، بل لغة سردية عميقة قادرة على أن تكتب التاريخ الإنساني بلقطةٍ واحدة.

وهذا بالضبط ما يجعل هذه الصورة تستحقّ أن تكون الأولى — لأنها تُجبرنا على التوقف، والتأمل، وربما أن نسأل أنفسنا:

من الذي هرب حقًا؟ الجمل من مضمار السباق؟ أم الطفلة من الخطر؟ أم نحن من واقعٍ فقدنا السيطرة عليه؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى