في أمسية الوفاء للمفكر والأديب الراحل خميس العدوي الجمعية العمانية للكتاب والأدباء: حفظ إرث خميس العدوي وإتاحته للأجيال مسؤولية ثقافية
تصوير/ سعيد بن سالم الهنائي
استحضرت أمسية الوفاء التي نظمها مركز الندوة الثقافي بولاية بهلاء بالتعاون مع الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، المسيرة الفكرية والأدبية للمفكر والأديب الراحل خميس بن راشد العدوي، وما تركه من إسهامات في مجالات الفكر والأدب والبحث، مؤكدة أهمية صون إرثه المعرفي وتوثيق نتاجه وإتاحته للأجيال القادمة. وأقيمت الأمسية مساء أمس الأول على مسرح مركز الندوة الثقافي، تحت رعاية سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي، الأمين العام لمكتب المفتي العام لسلطنة عمان، وبحضور جمع من المثقفين والأدباء والمهتمين بالشأن الثقافي، الذين استعادوا محطات من مسيرة الراحل وتوقفوا عند جوانب من تجربته الفكرية وإسهاماته الثقافية.
واستهلت الأمسية بتجول راعي المناسبة في المعرض المصاحب، الذي ضم مجموعة من الصور والكتب والمنجزات التي تستحضر مسيرة الراحل وإنتاجه الفكري والأدبي، ثم بدأت فقرات الأمسية بتلاوة عطرة من آيات الذكر الحكيم، أعقبتها مقدمة ألقاها عبدالله بن مسعود المفرجي، مقدم الأمسية.
وألقى سالم بن عبدالله الهميمي، رئيس مركز الندوة الثقافي بولاية بهلاء، كلمة رحب فيها براعي الأمسية والحضور، مستذكرا مناقب المفكر الراحل ومكانته الفكرية والثقافية، وما قدمه من إسهامات في مجالات الفكر والأدب والبحث. وأشار إلى أهمية استذكار سيرته والاحتفاء بمنجزه المعرفي، والعمل على حفظ نتاجه وتقديمه للأجيال القادمة، بما يضمن استمرار حضوره في المشهد الثقافي العماني.
كما ألقى أحمد بن مرهون البوسعيدي، أمين سر الجمعية العمانية للكتاب والأدباء ورئيس فرع الجمعية بمحافظة الداخلية، كلمة الجمعية، أكد فيها أن الوفاء قيمة أصيلة في الثقافة العمانية، وليس مجرد استذكار عابر لمن رحلوا، بل هو اعتراف بالعطاء وصون للأثر وإضاءة للطريق أمام الأجيال القادمة، مشيرا إلى أن الأمسية تمثل مناسبة لاستحضار حضور الراحل الذي ما زال قائما في الفكر والكلمة والموقف.
وقال إن المفكر والكاتب الراحل خميس بن راشد العدوي كان واحدا من الأصوات العمانية التي أسهمت في إثراء المشهد الثقافي والفكري، وترك بصمة واضحة في مجالات الكتابة والحوار والبحث، مؤمنا بأن الكلمة مسؤولية، وأن الثقافة جسر يصل الإنسان بجذوره ويفتح أمامه آفاق الوعي والمعرفة.
وأضاف أن الراحل امتاز بحضور فكري هادئ وعميق، وبقدرة على تناول القضايا بروح الباحث ووعي المثقف وصدق الإنسان، فكان قريبا من الناس، منحازا إلى المعرفة، وحريصا على أن تكون الثقافة فعلا حيا يتصل بحياة المجتمع، ويسهم في بناء وعيه وترسيخ قيمه وتعزيز صلته بتاريخه وهويته.
وأوضح أن الحديث عن خميس العدوي هو حديث عن جيل من المثقفين العمانيين الذين جعلوا من الكتابة وسيلة للتنوير، ومن الحوار سبيلا للتقارب، ومن الفكر مساحة لفهم الإنسان والعالم، مؤكدا أن الراحل ترك، من خلال إنتاجه ومشاركاته وعلاقاته الإنسانية، أثرا يتجاوز النصوص إلى النفوس، ويمتد إلى ما بعد زمنه.
وأكد البوسعيدي أن مسؤولية المؤسسات الثقافية اليوم لا تقف عند حدود الاحتفاء بذكرى الراحل، بل تمتد إلى قراءة تجربته والتعريف بعطائه وحفظ نتاجه وإتاحته للباحثين والقراء، حتى يبقى حاضرا في ذاكرة الثقافة العمانية ومرجعا تستفيد منه الأجيال المقبلة.
وأشار إلى أن الجمعية العمانية للكتاب والأدباء ومركز الندوة الثقافي سيقيمان ندوة علمية دولية تهدف إلى دراسة المشروع الفكري والعلمي للمفكر خميس بن راشد العدوي، والكشف عن إسهاماته في مجالات الفكر الديني والتاريخ والحضارة والبحث الموسوعي، وتحليل أثرها في المشهد الثقافي.
وتقدم البوسعيدي بخالص الشكر إلى مركز الندوة الثقافي على مبادرته وجهوده المتواصلة في خدمة المشهد الثقافي، واحتضان الفعاليات التي تعزز حضور الكتاب والأدباء والمفكرين في المجتمع.
وأكد أن الجمعية العمانية للكتاب والأدباء تجدد التزامها بالعناية بإرث الراحل، من خلال طباعة نتاجه وتجميع منشوراته، بما يسهل على الباحثين والمهتمين الوصول إلى مؤلفاته، وذلك بالتعاون مع مركز الندوة الثقافي وعائلة الراحل.
كما حيا أسرة الفقيد ومحبيه وزملاءه، مؤكدا أن رحيل الإنسان لا يلغي أثره؛ فالأجساد تمضي، أما الكلمة الصادقة والفكرة النبيلة والسيرة الطيبة فتبقى ما بقي في الناس قلب يذكر، وعقل يقرأ، وضمير يعرف للفضل أهله.
واختتم كلمته بالدعاء للراحل خميس بن راشد العدوي بالرحمة والمغفرة، وأن يسكنه الله فسيح جناته، ويجزيه عن علمه وفكره وعطائه خير الجزاء، ويلهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان. وأعرب عن أمله في أن تكون الأمسية وفاء يليق بمكانة الراحل، وأن تفتح بابا لمزيد من العناية بإرثه الفكري والأدبي، وأن تبقى الثقافة في عمان وفية لأبنائها، محتفية بعطائهم، حافظة لأثرهم.
من جانبه، ألقى راشد بن مسعود العدوي كلمة نيابة عن عائلة المفكر والأديب الراحل خميس بن راشد العدوي، تناول فيها مناقبه الإنسانية والوجه الأبوي في تربيته لأبنائه، واحتضانه لأبناء أخيه، ومنهجيته في توجيه أفراد الأسرة، وما اتسم به من حنان أبوي وتضحيات في سبيل أسرته، مستحضرا جوانب من حياته الأسرية ومواقفه التي عكست حرصه على أبنائه وأفراد عائلته.
كما ألقى الأستاذ الدكتور محمد بن سالم المعشني كلمة عبر الاتصال المرئي، قدم خلالها شهادة في حق المفكر والأديب الراحل خميس بن راشد العدوي، مستحضرا مكانته وإسهاماته الفكرية والأدبية.
وتخللت الأمسية قراءات شعرية استحضرت سيرة الراحل ومكانته، حيث ألقى المنيب بن أحمد النوفلي قصيدة من تأليف هلال بن سيف الشيادي، عبرت عن مكانة الراحل الفكرية ومسيرته في التأمل والبحث، وجاء فيها:
«أخميس يا نبض التأمل إذ سرى في ظلمة المعنى تردد ذكركا وتعود صبحا تستضيف بفكرة وتشع تنبض في اصطبار جمركا ومضيت تلتمس الطريق إلى الهدى ووجدت روح الله تشرق شطركا وتبعتها تمضي لوحدك عابرا هو وحده الرحمن يعلم سركا»
كما ألقى الشاعر حمود بن علي بن سيف العيسري قصيدة رثائية عبر فيها عن حزنه لرحيل العدوي، مستذكرا مواقفه وإسهاماته الفكرية واهتمامه بقضايا المسلمين، ومما جاء فيها:
«صعدت كماء اليم للأفق الأعلى إلى الملتقى الأنقى إلى المرتقى الأولى على عجل عرجت والصهوة المدى فما أكبد المعراج والوجهة العجلى وما أوحش المنأى وتبت يد النوى وشلت يد غدرا رمت طعنة نجلى فلا عجبا أن يكتب الدمع حائر رثاء يرى في الطرس ممتنعا سهلا أبا ماجد غادرتنا ليت روحنا فداؤك روحي لن أظن بها بدلا فكان عصاميا أصيلا وعينه عمان التي بروحه عدها أغلى وكانت هموم المسلمين رسالة يؤلفها فصلا ويبحثها فصلا وغادرنا والنور من فيضه جرى معينا سقى الأرواح من صوبه وبلا»
كما تضمنت الأمسية جلسة حوارية بعنوان «شهادات في حق المفكر خميس العدوي»، أدارها يعقوب بن ناصر المفرجي، وشارك فيها الشيخ أحمد بن سعود السيابي، والدكتور خليفة بن أحمد القصابي، وأحمد بن مبارك النوفلي، وناصر بن علي الخروصي. واستعرض المشاركون جوانب من شخصية الراحل ومسيرته الفكرية والعلمية، وتناولوا إسهاماته في مجالات البحث والكتابة واهتماماته الثقافية، وما اتسم به مشروعه من تنوع في الموضوعات وعمق في الطرح. كما شهدت الأمسية عرض مادة مرئية استعرضت محطات من حياة الراحل ومسيرته وإسهاماته، وقدمت للحضور صورة عن جوانب من تجربته الفكرية والثقافية.
وفي جانب آخر من الأمسية، استعرض المهندس صالح بن سالم العلوي ملامح مشروع تطوير وتأهيل مركز الندوة الثقافي، الذي يستهدف الارتقاء بمرافق المركز وخدماته، وتوفير قاعات متعددة الاستخدامات، وتحديث المكتبة، وتعزيز البنية الأساسية الرقمية، إلى جانب تهيئة المرافق بما يسهل استفادة الأشخاص ذوي الإعاقة من خدمات المركز وأنشطته، بما يعزز دوره الثقافي والمعرفي ويواكب تطلعات المرحلة المقبلة.
واختتمت الأمسية بتدشين سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي الموقع الإلكتروني المخصص للمفكر الراحل خميس بن راشد العدوي، الذي يهدف إلى توثيق سيرته وإتاحة نتاجه الفكري والمعرفي للمهتمين والباحثين. ويضم الموقع كتبه ومقالاته المنشورة، وسيرته وإنجازاته وإسهاماته، ومشاركاته الثقافية والفكرية، إلى جانب المواد المتعلقة بنشاطه في المركز، وما كتب عنه من كلمات وشهادات ورسائل عزاء من محبيه ومتابعيه.
كما تعتزم أسرة الراحل نشر عدد من مقالاته التي لم يسبق نشرها، تباعا كل يوم جمعة، في خطوة تهدف إلى إحياء نتاجه الفكري وإتاحته للقراء والباحثين، وتعزيز حضوره في الذاكرة الثقافية العمانية، بما يتيح للأجيال الجديدة التعرف على أفكاره وإسهاماته ومسيرته في مجالات الفكر والأدب والبحث.
