الفني

فيلم Saiyaara (2025a… )

آمنة بنت محمد البلوشية

حين يصبح النسيان خلفيةً للحياة وتصبح الموسيقى لغة النجاة… والحب لحظة لا تُنسى

إخراج: موهيت سوري
قصة وسيناريو: سِنكالب سادانه
حوارات: روهان شانكار
بطولة: أهان بانداي – أنيت بادا

التحليل النقدي

في فيلم Saiyaara لا شيء يُقال بصوتٍ عالٍ، كل شيء يُحكى بنغمة، بنظرة، بلحظة صامتة تتكثّف فيها مشاعر لا اسم لها. ليس هدف الفيلم أن “يعالج” الزهايمر، ولا أن يصوّر الألم بحقيقته البيولوجية أو أعراضه المؤلمة… بل أن يُخرج الإنسان من معادلة المرض، ويعيده إلى معادلة الحياة.

الزهايمر في هذا العمل ليس بطلًا، بل خلفية رمادية، على أطرافها تتفتح الزهور.
هو مجرّد ممر، لا محطة أخيرة. مجرّد طقس شتوي خافت، نستطيع أن نعيش فيه ببطانية موسيقى، وفنجان من الحُبّ الهادئ.

الفيلم يقول: ليست المشكلة نوع الألم… بل أن نظل عالقين فيه.
أما الحل، فليس الشفاء، بل أن نخلق لحظة تُنسي أين يسكن الألم.

من الحطام… يولد العزف

تحكي القصة عن فتاة خذلها من أحبّت، وتركها تتنفس شظايا ذاكرة لا تلتئم.
تخاف الاقتراب، ترفض البدء، تعيش داخل صدفة.

وفي الجهة الأخرى، شاب موهوب، صوته ناعم كالمطر، لكنه غارق في اضطرابات لم تُفهم، وخسائر تراكمت حتى بات يخاف حتى من نفسه.

ثم يلتقيان…
بلا مقدمات بطولية، بل عبر صدفة عابرة تصنع بداية كل شيء.
هي تكتب… وهو يعزف.
تُولد بينهما علاقة لا يُحدّدها الحب، بل النجاة. لا تسير خلف الشهرة، بل تنقّب في الروح عن خلاص.

تكتب له الفتاة أغنية تغيّر مسار حياته. ويغيّر هو بدوره فكرتها عن الحب، لا كوعود، بل كحضورٍ لطيف وسط العاصفة.
لكن ما يبدو بداية سعيدة، يحمل في جوفه خبرًا مفجعًا: الفتاة مصابة بالزهايمر.
والنسيان قادم… لا محالة.

لكن المفاجأة أن البطل لا يهرب.
بل يحبّ أكثر.

اللحن… لا يعزف الوجع، بل يتجاوزه

الموسيقى في Saiyaara ليست مرافقة للأحداث، بل بطلٌ ثالث.
هي اللغة حين تعجز الحروف.
هي المرآة التي يرى بها البطل ذاته… حين لا يقدر أن يراها في الكلمات.

في لحظة اللقاء، نسمع همسة ناعمة… لا تُقال، بل تُعزف.
وفي لحظة إدراك المرض، يذوب الكلام تمامًا… ليصعد لحن جيتار منفرد، كأنّه دمعٌ لا يُرى.

أما في الختام، فالأغنية التي كتبتها البطلة ويغنيها البطل، تتحوّل إلى دواء … لا تطلب شيئًا، بل تُعلن شيئًا الحب ليس ما نتذكّره، بل ما نخلقه… حتى لو نُسي.”

شخصيات لا تصرخ… بل تهمس

سيناريو الفيلم لا يعتمد على ضخّ الحوارات، بل على الاقتصاد العاطفي.
كل كلمة تأتي في وقتها. قليلة، لكنها مشبعة. مثل:

“لن أنجو… إلا إن كنتِ معي.”
“حتى لو نسينا تفاصيل كثيرة، يمكننا صناعة ذكريات دائمًا.”
“الزمن لا يشفي… بل يُخزّن، ثم يعيد التفاصيل على هيئة لحن، أو دمعة، أو لحظة نرتجف فيها بلا سبب.”

هذه ليست جملًا عابرة… بل شظايا شعور تم تفجيره بدقة في اللحظة المناسبة.

مشاهد تختار الصمت… والجمال

اختار المخرج موهيت سوري مواقع تصوير تنطق دون أن تتكلم:
قلعة ناجار – مانالي: للمواجهة الداخلية والصمت العظيم.
شواطئ أليبوغ: للهروب والصفاء المؤقت.
كنيسة غوا: كبداية روحانية لعلاقة مختلفة.
محطة تشاتراباتي شيفاجي: كتقاطع بين الحلم والواقع.
العبّارة البحرية: كرمز للانتقال النفسي من الإنكار إلى القبول.

كل مشهد ليس منظرًا… بل حالة نفسية مصوّرة.

في النهاية… ليست النهاية

بعكس أغلب الأفلام التي تودّ أن تنقذ بطلتها أو تصنع معجزة، Saiyaara لا يَعِد بشيء.
الزهايمر يحدث.
النسيان يأتي.
لكن الأجمل، أن الحبّ يبقى… لا ليُذكِّر، بل ليُحب فقط.

البطل لا يحاول تثبيت الذاكرة، بل يصنع مع البطلة ذاكرة جديدة كل يوم… حتى لو محاها الغد.

في النهاية فلم

‏Saiyaara ليس فيلمًا عن الحب، ولا عن الزهايمر.
بل عن الإنسان، حين يختار أن يعيش بلطف… ولو فوق هشيم.
حين يقرّر أن لا يجعل من الألم سجنًا، بل خلفية عابرة لصورةٍ أجمل.
حين يؤمن أن الذاكرة ليست مقياس الحب… بل الحضور. ليس علينا أن نتذكّر كل شيء… علينا فقط أن نحبّ بصدق، في الوقت الذي نملكه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى